اخبار وتقارير

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 11:04 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

“حين تتحول الأقدام إلى لغة، والغبار إلى هوية… تبدأ تهامة في الحديث”

في تهامة، لا تُروى الحكايات بالكلمات أولاً، بل بخطوةٍ حافية على الرمل، وبضربة دفٍّ مصنوع من المدر ومشدود بجلدٍ حيواني جُفف على النار، ليصبح أشبه بنبض الأرض حين تستيقظ. هناك، حيث يمتزج هواء البحر بحرارة الشمس ورائحة العرق، لا تحتاج الحياة إلى مسارح أو أضواء، يكفي فضاء مفتوح وغبار يتصاعد تحت الأقدام، و”شرجي” واحد ليعلن أن هذه الأرض ما زالت حيّة.

كان المساء يهبط ببطء على الساحة الترابية، فيما اصطف الرجال والشباب في صفوف متقاربة، كأنهم يستعدون لحدث أكبر من رقصة. الصمت كان ثقيلاً، والوجوه متجهة نحو صاحب “المرواس”، الذي لا يبدو مجرد عازف، بل قائد إيقاع يملك لحظة الانفجار.

ثم تأتي الضربة الأولى.

قصيرة، حادة، كافية لتمزيق الصمت.

في لحظة واحدة، تتحرك الأقدام دفعة واحدة، ويرتفع الغبار من الأرض كأن تهامة تستيقظ من سباتها الطويل. تبدأ الرقصة ببطء، ثم تتسارع حتى تتحول إلى موجة بشرية تهتز بقوة، وكأن الأرض نفسها تشاركهم الإيقاع.

هنا لا تُمارس الرقصة كفرح فقط، بل كفعل مقاومة. يرقصون لأنهم تعبوا من الحياة، ولأنهم صمدوا أمام قسوتها، ولأن ما لم تكسره الحرب ولا الظروف، لا يمكن أن يكسره الفقر أو الغبار.

في “الشرجي”، لا توجد حركة بلا معنى. كل خطوة تحمل ذاكرة، وكل التفافة تستدعي تاريخاً قديماً. الأقدام تضرب الأرض بإصرار، كأنها توقظ الأجداد من تحت التراب، أو تعلن رفضاً صامتاً لكل محاولات اقتلاع هذه الروح من جذورها.

الغبار المتصاعد لا يبدو مجرد تراب، بل كأنه ستار يخفي وراءه تاريخاً من الحزن والصبر. ومن وسطه، تلمع وجوه سمراء أرهقها العمل، لكنها لم تفقد قدرتها على تحويل الألم إلى فرحٍ راقص.

الشرجي في تهامة ليس فناً عادياً، بل هو بيان شعبي مكتوب بالأقدام. يحمل عناد البحر، وصلابة المزارع، وصبر الصيادين، وحرارة الشمس التي لم تُلين يومًا قلوب أهل الساحل. ولهذا بقي حياً، ينتقل من جيل إلى جيل، كما تنتقل الذاكرة الشفهية للأرض.

ومع تصاعد الإيقاع، تتلاشى الفوارق بين الناس. الصغير يمشي على خطى الكبير، والعجوز يبتسم وهو يرى نفسه في خطوات الشباب. يصبح الجميع جسداً واحداً يتحرك بإيقاع واحد، وكأن تهامة كلها تجمعت في دائرة واحدة من الغبار والصوت.

لم تكن تلك رقصة عابرة… بل لحظة استعادة لهوية كاملة.

وحين خفتت أصوات الدفوف، ظل الغبار معلقاً في الهواء لثوانٍ، كأنه يرفض الرحيل. انتهى “الشرجي”، لكن شيئاً منه بقي في الأرواح؛ إحساس بأن هذه الأرض، رغم ما مرّ بها، ما زالت قادرة على الحياة، وعلى الفرح، وعلى المقاومة أيضاً.

هكذا هي تهامة…
لا تبكي كثيراً، لكنها ترقص كثيراً.
ولا ترفع الشعارات بصخب، لكنها تقول كل شيء بضربة قدم على الرمل. ترقص كي لا تموت