اخبار وتقارير

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 12:29 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم: المستشار والخبير الاقتصادي د. عبدالرحمن أحمد حيدره

في ظل التحديات الاقتصادية والمالية المعقدة التي تمر بها البلاد، جاءت حزمة القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء بتاريخ 20 مايو 2026م لتعكس توجهاً حكومياً نحو تحريك الملفات الاقتصادية والإدارية المتراكمة، ومحاولة التخفيف من الضغوط المعيشية التي أثقلت كاهل المواطنين خلال السنوات الماضية. وتمثل هذه القرارات، من حيث التوقيت والمضمون، خطوة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية مهمة، تستوجب قراءة مهنية متوازنة تقوم على التحليل الواقعي بعيداً عن المبالغة أو التهويل.

إن اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20%، إلى جانب إقرار العلاوات السنوية المتوقفة والتسويات الوظيفية والترقيات الأكاديمية، يُعد من الناحية الاجتماعية والإدارية إجراءً إيجابياً طال انتظاره، خصوصاً في ظل التراجع الكبير في القوة الشرائية للموظف اليمني نتيجة التضخم وتدهور سعر العملة وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة. كما أن معالجة ملفات التسويات المتوقفة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً تمثل خطوة نحو إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة الوظيفية ورفع معنويات العاملين في مؤسسات الدولة، ولا سيما في القطاع الأكاديمي والتعليمي الذي تعرض لاستنزاف كبير خلال سنوات الأزمة.

ومع أهمية هذه المعالجات، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرارات بقدر ما يكمن في قدرة الحكومة على ضمان استدامة تنفيذها دون التسبب في ضغوط مالية ونقدية إضافية. فزيادة الإنفاق الجاري في أي اقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية وضعف في الإيرادات قد تؤدي، في حال غياب التمويل الحقيقي والإصلاحات الموازية، إلى آثار تضخمية تقلل من الفوائد المتوقعة لهذه الزيادات. ولذلك فإن نجاح هذه الحزمة يرتبط ارتباطاً مباشراً بقدرة الدولة على تعزيز مواردها العامة، وتحسين كفاءة التحصيل، وترشيد الإنفاق، وضبط السياسة النقدية بالتنسيق مع البنك المركزي.

أما فيما يتعلق بقرار تحرير سعر الدولار الجمركي، فهو يمثل أحد أكثر القرارات حساسية وتعقيداً في المشهد الاقتصادي الراهن. فمن الناحية النظرية، يهدف القرار إلى توحيد الأوعية الإيرادية، ومعالجة التشوهات الجمركية، وتعزيز الإيرادات العامة للدولة، وهي أهداف إصلاحية مطلوبة في أي برنامج اقتصادي جاد. غير أن خصوصية السوق اليمنية، وضعف الرقابة، وانتشار المضاربات والاحتكار، تجعل من الضروري التعامل مع هذا القرار بحذر شديد، لأن أي زيادة في التكاليف الجمركية قد تنعكس بصورة غير مباشرة على أسعار السلع والخدمات، حتى وإن تم استثناء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية.

ومن هنا فإن نجاح الحكومة في الحد من التداعيات السلبية لهذا القرار يتطلب تفعيل أجهزة الرقابة التموينية، وضبط الأسواق، ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، إضافة إلى توحيد الإجراءات الجمركية ومنع التهريب والاستثناءات غير القانونية التي أضعفت الاقتصاد الوطني خلال السنوات الماضية.

وفي جانب الإصلاح الإداري، فإن توجه الحكومة نحو مكافحة الازدواج الوظيفي وتنقية كشوفات المرتبات وربط الرواتب بالحسابات البنكية يمثل خطوة إصلاحية مهمة إذا ما نُفذت بجدية وشفافية، لما لذلك من أثر مباشر في الحد من الهدر المالي، وتعزيز الانضباط الإداري، وتحديث قاعدة بيانات الجهاز الحكومي، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة.

كما أن إعادة تشكيل اللجنة العليا للمناقصات تحمل دلالات إيجابية تتعلق بتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية والرقابة على الإنفاق العام، خاصة وأن ملف المناقصات والمشتريات الحكومية يعد من أكثر الملفات حساسية في الدول التي تمر بظروف استثنائية. غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرهوناً بوجود استقلالية حقيقية، وتطبيق صارم للقوانين، وضمان المنافسة العادلة، ومكافحة أي مظاهر للفساد أو تضارب المصالح.

وعموماً، يمكن القول إن الحكومة انتقلت من مرحلة إدارة الأزمات الآنية إلى محاولة فتح مسار إصلاحي اقتصادي وإداري أكثر شمولاً، وهي خطوة إيجابية من حيث المبدأ، إلا أن نجاحها العملي سيعتمد على قدرة مؤسسات الدولة على التنفيذ الفعلي، وتوفير التمويل المستدام، وضبط الأسواق، والحفاظ على الاستقرار النقدي، وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر في آن واحد.

فالمواطن اليوم لا ينتظر فقط صدور القرارات، بل ينتظر انعكاسها الحقيقي على مستوى معيشته، واستقرار الأسعار، وتحسن الخدمات، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وإذا ما أُديرت هذه الإجراءات بكفاءة وشفافية ومسؤولية، فقد تمثل بداية لمسار إصلاحي مهم يعيد تنشيط مؤسسات الدولة ويعزز صمود المجتمع في مواجهة التحديات الراهنة.