صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
اليوم… مقالي ليس كأي مقال.
مقالي يخرج من هنا، من هذا المكان المزدحم بالألم، من بين أطفال نازحين منذ سنوات، ترسم لهم أمهاتهم كل يوم البيت والقرية والبلاد والجد والجدة وكبش العيد.
هكذا يتحدث الأطفال… عن ذكريات جميلة تحولت إلى خيال بعيد بالنسبة لهم.
من قلب مدينة مأرب… لا أكتب هذا المقال كصحفي يراقب المشهد من الخارج، بل كإنسان يقف داخل الوجع نفسه، بين أطفال نازحين منذ سنوات، ترسم لهم أمهاتهم كل يوم بيتاً من خيال: قرية بعيدة، جد وجدة، ضحكات قديمة، وكبش عيد لم يروه إلا في الحكايات.
هنا، لا يشبه العيد نفسه في أي مكان آخر.
هنا، الأطفال يتحدثون عن العيد كأنه حلم مؤجل، وكأن الفرح شيء يُستورد مثل الغذاء والدواء، لكنه لا يصل.
كيف يمكن أن نتحدث عن عيد الأضحى، وهناك من لا يعرف إن كان سيجد ما يسد رمق أطفاله؟
وكيف نكتب عن الفرح، وهناك من حُرم حتى من أبسط رموز العيد… الأضحية؟
في هذا المكان، لا يبدو الحديث عن العيد سهلاً.
بل يبدو كأنه سؤال مؤلم: لمن هذا العيد أصلاً؟
لكن قبل كل ذلك… لا بد أن أعود إلى الذاكرة.
إلى تلك اللحظة التي لا تُنسى، حين كنت أنا نفسي داخل سجون الحوثيين، مكلبلاً بالأغلال، أثناء التحقيق، وقبيل عيد الأضحى.
سألني المحقق:
“إيش جابك عندنا؟”
فأجبته بصمت: لا أدري… لماذا أنا مسجون كل هذه المدة.
قالوا لي: “أنت هنا لتتوب”.
لكن السؤال الذي كان ينهشني من الداخل كان أكبر من كل ذلك:
عن ماذا أتوب؟
هل دمرت مؤسسات؟
هل شاركت في قتل أطفال؟
هل اختطفت مواطنين أو معلمين؟
هل فجّرت بيوتاً؟
هل انتهكت أعراضاً؟
هل نهبت أراضي الناس والتجار؟
لم أجد جواباً… ولا هم قدموا جواباً.
من هنا تبدأ القصة، قصة ملايين النازحين الذين خرجوا من بيوتهم قبل أكثر من عشر سنوات، يحملون وجعهم ويتركون خلفهم كل شيء.
عيد وراء عيد، وهم في الخيام، يراقبون الحياة من بعيد، كأنهم خارج الزمن.
كان العيد في الريف اليمني حياة كاملة.
ليلة الوقفة كانت مليئة بالفرح، بالأطفال، بالألعاب، بالنار التي تشتعل في القرى، وبالضحك الذي لا ينقطع.
كان العيد مناسبة تُنتظر طوال العام، لا عبئاً يُحسب بالريال.
اليوم… تغيّر كل شيء.
حتى المعلم والموظف في مناطق الحوثيين، وحتى في مناطق الحكومة الشرعية، أصبح العيد بالنسبة له عبئاً لا فرحة.
لم نكن نسمع يوماً أن اليمنيين يخافون قدوم العيد، كما يحدث اليوم.
بأي حال أتيت يا عيد؟
بين نازح فقد بيته، وأسرة فقدت معيلها، وأم فقدت ابنها، وسجون امتلأت بالمختطفين بلا ذنب ولا جريمة.
عن جماعة حوثية ترفض حتى أن يصل إلى هؤلاء الأطفال كبش العيد الذي كان يأتيهم كل عام هدية من أجدادهم في القرية.
عن أي عيد نتحدث؟
وكيف سيصلي هؤلاء؟
وكيف تُقبل عبادة من سرقوا الشعب، ونهبوا الوطن، وحرموا الموظف من راتبه، وأدخلوا الناس السجون، وتركوا اليمنيين يبكون ألماً وفقراً وقهراً؟
العيد ليس على هواكم… فأنتم لستم للعيد، ولا للفرح، ولا للإنسانية.
اليوم أتحدث عن ملايين النازحين الفارين من الحرب الحوثية منذ عشرة أعوام، عيد وراء عيد وهم في الخيام.
كلما جاء العيد عادوا بذاكرتهم إلى حياتهم القديمة، إلى تفاصيل الفرح الصغيرة، إلى ليالي الوقفة التي كانت تمتلئ بالأطفال والضحكات والألعاب والنيران المشتعلة في القرى.
أتحدث عن أبناء الريف اليمني الذين كانت تربطهم بالعيد علاقة حياة كاملة، حيث لكل قرية حكايتها الخاصة، ولكل طفل فرحته، ولكل بيت رائحة لحم العيد وتكبيراته.
لكن عيد الأضحى في اليمن كان مختلفاً دائماً… كان أعظم مناسبة لدى اليمنيين، وكان المسؤول الذي يحكم اليمن يخشى أن يأتي العيد ولم تُصرف للناس رواتبهم وإكرامياتهم.
أما اليوم…
فكيف يأتي العيد على المعلم والموظف في مناطق الحوثيين وحتى في مناطق الحكومة الشرعية؟
عيد بلا فرحة، بلا قدرة على الشراء، بلا طمأنينة.
لم نكن نسمع أن اليمنيين يخافون قدوم الأعياد إلا في عهد المليشيا التي أثقلت الناس بالقهر والجوع والهموم.
بأي حال أتيت يا عيد؟
واليمنيون بين نزوح وتشرد وفقر وضغوط نفسية لا تنتهي.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، حتى الكلام أصبح خوفاً، وحتى التعبير عن الألم قد يقود إلى السجن.
كيف لنا أن نشرح حال تلك النازحة التي فقدت زوجها، وبقيت وحدها تحاول حماية أطفالها، تخفي داخل قلبها جبالاً من القهر والخوف والخذلان؟
أشياء كثيرة يجب أن تُكتب، حتى يبقى التاريخ حقيقياً بلا تزييف.
عن أسر كبيرة تتمنى العودة إلى ديارها، لكن آلة الموت ما تزال تمنعها.
كل نازح يحلم بتلك الديار، وتلك الذكريات، وذلك العيد الذي كان يأتي بلا خوف ولا خيام ولا جوع.
ها هو عيد الأضحى يعود إلى اليمنيين وقد طوتهم هموم الحياة وقهر الحوثيين.
يعود وهناك آلاف المختطفين داخل السجون بلا ذنب ولا جرم.
يعود وهناك أم تتذكر ابنها الذي كان يقبل رأسها صباح العيد، قبل أن تأخذه الحرب منها.
عن إخوة كانت تجمعهم مائدة العيد، وفرقتهم المليشيات وأصبح أحدهم في سجون الحوثي منذ سبعة أعوام بتهمة “العدوان”، والثاني نازح في مناطق الشرعية، والثالث قتلته الألغام، ولم يبقَ سوى أم مكلومة فقدت بصرها من كثرة الحزن.
تتذكر حياة كانت مليئة بالأمل، وحياة انتخابات وديمقراطية وخطاب علي عبدالله صالح يطمئن الناس قبل العيد.
كيف تريدون منا أن نصف هذا العيد؟
لا جديد سوى الوجع.
لا شيء يُذكر سوى أنكم تتلذذون بمعاناة المواطن.
العيد الحقيقي هو عدل، ورحمة، وإيصال حقوق الناس.
أما أنتم، فكل أعمالكم لا تشبه العيد ولا تشبه الدين ولا تشبه الوطن.
وعاد بعضهم يحج…
كيف تُقبل حجة من يأكل الحرام؟
كيف يطوف حول بيت الله من سرق أموال الشعب ورواتب الجائعين؟
كيف ينام مرتاحاً وهناك شعب كامل يختنق من الجوع؟
حتى الحج أصبح عند بعضهم باباً للفساد والاحتيال والمتاجرة بأسماء الجيش والشهداء.
اصرفوا رواتب الناس.
أغيثوا هذا الشعب.
اليمنيون يموتون جوعاً بينما أنتم تغرقون في البذخ والمظاهر والموديلات الحديثة، من السيارة حتى الستارة.
أيها العيد…
صحيح أننا مأمورون أن نفرح بقدومك، لكننا أيضاً سنذكّر العالم بمن سرق فرحة كل يمني.
وسيظل اليمني، رغم كل هذا الألم، واقفاً…
لأن الجائع قد يصبر، والمقهور قد يبكي، لكن اليمني لا يموت داخله الوطن أبداً.
إلى أمي…
وإلى كل الأمهات اليمنيات الصابرات…
وإلى كل نازح ومكلوم ومختطف وفقير…
وإلى كل من يقرأ مقالي:
عيدكم سعيد، وكل عام وأنتم بخير.
والله أكبر كبيراً على كل ظالم وفاسد أكل حقوق اليمنيين،
وكل دعوة خرجت من قلب أم مكسورة ستصل إلى السماء،
وسيأتي يوم يطوف فيه المظلوم حول عدالة الله، ويرى فيه الظالم جزاء ما اقترفت يداه.