صدى الساحل - بقلم - أحمد غيلان
في صباحٍ تفتحت فيه أشعة السماء على تكبيرات العيد، وقف باب المندب شامخًا كعادته، يطل على العالم من خاصرة اليمن البحرية، ويحرس الممر الذي عبرت منه قرون التجارة والحضارة والصراع.
وفي ذلك المشهد، جاءت صلاة الشعب والمقاومة والقائد طارق صالح، وسط الناس لتمنح المكان معنى إضافيًا، وتوقظ في الوجدان اليمني شعورًا عميقًا بالعزة والثبات.
العيد في المدن العادية مناسبة فرح، أما العيد في باب المندب فله نكهة السيادة؛ حيث تتداخل الجغرافيا بالكرامة الوطنية، ويتحول الحضور الشعبي إلى رسالة واسعة المدى، تقول إن اليمن لا يزال حاضرًا في معادلة البحر والتاريخ، وإن هذه الأرض تعرف رجالها كما يعرفها البحر.
مشهد الصلاة حمل روحًا مختلفة، ورمزيةً أبعد من الصورة الظاهرة؛ صفوف المصلين الممتدة، الجنود الواقفون بثقة، الوجوه القادمة من القرى والمدن الساحلية، والتكبيرات التي ارتفعت بمحاذاة البحر، جميعها رسمت صورة وطن يحاول النهوض من تحت ركام الحرب، ويتمسك بحقه في الحياة والاستقرار والكرامة.
باب المندب معنى ورمزيةٌ أكبر من مجرد مضيق مائي تتحدث عنه نشرات الأخبار، لأنه دومًا- وفي هذه الظروف تحديدًا- عنوان لقيمة اليمن في الوعي العربي والدولي.
من يقف هناك يشعر أن الجغرافيا نفسها تتكلم. الجبال القريبة، زرقة البحر، حركة السفن البعيدة، والريح القادمة من أعماق البحر الأحمر، كلها تمنح الإنسان إحساسًا بأن هذه الأرض خُلقت لتكون بوابة قوة لا هامش ضعف.
في اللحظات التي تتعرض فيها الأوطان للعواصف، تصبح الرموز ذات أثر كبير في شحذ الهمم وتعزيز إرادة البقاء والانتصار.
حضور القيادة بين الناس في منطقة استراتيجية يمنح المواطن شعورًا بالأمان، ويعيد إلى النفوس يقينًا بأن المعركة من أجل اليمن ليست معركة مواقع عسكرية فقط، وإنما معركة إرادة وهوية ومستقبل.
الساحل الغربي- خلال السنوات الماضية- دفع ثمنًا باهضًا من الدم والتضحيات؛ رماله تعرف خطى الشهداء، وقراه تحفظ أصوات المعارك، وأهله عاشوا قسوة الحرب بكل تفاصيلها.
واليوم، حين ترتفع تكبيرات العيد في باب المندب، يشعر الناس أن تلك التضحيات أنبتت أمنًا واستقرارًا ومساحة للحياة؛
وهذا بحد ذاته يتجاوز كونه رسالة معنوية ذات دلالة كبرى.
اليمنيون بطبيعتهم لا يستسلمون لليأس مهما اشتدت المحن.
في داخل هذا الشعب قدرة عجيبة على تحويل الألم إلى صبر، والصبر إلى قوة، والقوة إلى مشروع بقاء.
ولهذا، تبدو مثل هذه المشاهد أكبر من مجرد مناسبات بروتوكولية؛ لأنها تلامس الوجدان الشعبي وتعيد شحن الروح الوطنية في زمن تتكاثر محاولات الإحباط والتفكيك.
من باب المندب- تحديدًا- تبدو الرسالة أكثر وضوحًا: اليمن لا يزال قادرًا على حماية بوابته البحرية، ولا تزال روحه الوطنية حيّة رغم كل ما حدث. فالأوطان العظيمة لا تُحرس بالسلاح وحده، وإنما تُحرس أيضًا بالإيمان بها، وبثقة الناس أن الغد يمكن أن يكون أفضل.
في صباح عيد الأضحى، كانت تكبيرات العيد تمضي فوق صفحة البحر كأنها تعلن أن اليمن، مهما تعب، لا يفقد هيبته،
وأن الأرض التي أنجبت رجال المقاومة قادرة على أن تنجب الأمل من جديد، وأن بذور التضحية تثمر انتصارًا ناجزًا مهما تأخر موسمه.