صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
لم يكن ما احتفت به جماعة الحوثي اليوم إنجازًا يلامس حياة اليمنيين، بل كان مجرد طائرة. أما الراتب الذي ينتظره مئات الآلاف من الموظفين منذ سنوات، فما يزال غائبًا، وكأن وصول الطائرة أهم من وصول لقمة العيش إلى بيوت الناس.
ما يراه البعض تحديًا من قبل الحوثي وإيران، أراه فعلًا غير مسؤول يعكس طبيعة جماعات مغامرة ومتطرفة لا ترى في الدولة سوى عقبة أمام مشروعها، ولا في الشعب سوى وقود لحروبها. كل ما يعنيها هو بقاء قياداتها ونفوذها، أما اليمنيون فليواجهوا الفقر والجوع وتدهور الخدمات وحدهم.
يعيش الحوثي اليوم واحدة من أصعب مراحله؛ فالتهدئة لم تمنحه شرعية، بل كشفت حجم فشله الإداري والاقتصادي والسياسي، وعرّت عجز منظومته عن إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته. ومنذ أشهر، تبدو الجماعة وكأنها تبحث عن أي ذريعة لإعادة إشعال المواجهة، هروبًا من استحقاقات داخلية عجزت عن تلبيتها، وقمعًا لحالة التذمر الشعبي المتزايدة بسبب تدهور الأوضاع المعيشية.
وفي هذا السياق، جاءت أزمة الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء لتكشف طبيعة المشهد. فما جرى لم يكن مجرد رحلة جوية، بل محاولة لفرض أمر واقع خارج الأطر القانونية المنظمة للطيران المدني، ورسالة سياسية تؤكد استمرار التعامل مع اليمن باعتباره ساحة لتنفيذ أجندات خارجية، لا دولة ذات سيادة ومؤسسات.
وفي المقابل، حملت مواقف مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية رسالة واضحة بأن السيادة الوطنية ليست محل مساومة، وأن حماية الأجواء والمنافذ والمؤسسات السيادية مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، وأن أي إجراءات يجب أن تتم ضمن الأطر القانونية والسياسية المعترف بها.
وبالتزامن مع ذلك، فإن التحركات القبلية والميدانية في مطارح الكرامة تعكس حالة رفض اجتماعي متنامية تجاه سياسات الجماعة، بعد سنوات من القمع، والجبايات، والتجنيد، والانتهاكات التي أثقلت كاهل المواطنين.
والمفارقة أن الجماعة التي ترفع شعارات الدفاع عن اليمن، ترفض كل ما يخفف معاناة اليمنيين. فمنذ سنوات تمتنع عن صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين، رغم الموارد التي تجبيها من الضرائب والجمارك والموانئ والزكاة وغيرها، بينما تُوجَّه تلك الأموال لتعزيز نفوذها وتمويل مشروعها العسكري.
في الوقت الذي يكافح فيه المواطن لتوفير لقمة العيش، وتعيش الأسر تحت ضغط الفقر وانهيار الخدمات، لا تبدو أولويات الجماعة متجهة نحو تحسين حياة الناس، بل نحو تثبيت سلطتها ومشروعها السياسي والعسكري.
إن المشكلة لم تعد في امتلاك السلاح فقط، بل في طبيعة المشروع الذي يحمله الحوثي؛ مشروع يقوم على استمرار الصراع باعتباره وسيلة للبقاء. فكلما اقترب اليمن من فرصة للسلام، ظهرت أزمة جديدة تعيد إنتاج التوتر، لأن السلام الحقيقي يعني عودة الدولة والمؤسسات، وعودة المواطن للمطالبة بحقوقه.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم ليس استعراضًا للقوة بقدر ما هو محاولة للهروب من واقع مأزوم تعيشه الجماعة، وتصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، بينما يدفع ملايين اليمنيين وحدهم ثمن الحرب والانقسام.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن جماعة الحوثي لا تعيد حساباتها إلا عندما تواجه موقفًا وطنيًا موحدًا وإرادة حازمة. ولذلك فإن استعادة هيبة الدولة، ووقف التدخلات الخارجية، وبناء منظومة ردع حقيقية، لم تعد خيارات سياسية فقط، بل ضرورة لحماية اليمن ومستقبله.
والمفارقة المؤلمة أن الجماعة تحتفي اليوم بطائرة، بينما لا تزال رواتب مئات الآلاف من الموظفين معلقة منذ سنوات، ويعيش ملايين اليمنيين بين الفقر والجوع وانهيار الخدمات. وكأن الإنجاز الحقيقي في نظرها ليس أن يعود الموظف إلى منزله براتب، أو أن يجد المريض دواءه، أو أن يذهب الطفل إلى مدرسته، بل أن تهبط طائرة تحمل رسالة سياسية.
وحين تصبح الطائرة إنجازًا... والراتب جريمة، ندرك حجم المأساة التي أوصلت إليها هذه الجماعة اليمنيين