اخبار وتقارير

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 08:18 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - تقرير الصحفي: عمر الأهدل

​أعادت طائرة شركة "ماهان إير" الإيرانية التي حطّت في مطار صنعاء والحديدة رسم ملامح الصراع اليمني من جديد، واضعةً حدًا لتهدئة هشة استمرت لسنوات.

​هذا الإصرار الحوثيين المستميت على فتح خط جوي مباشر ومنتظم بين صنعاء وطهران —رغم الرفض الشديد من الحكومة الشرعية وتحذيرات المجتمع الدولي— يثير تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا التمسك، خصوصاً في ظل وجود خيارات بديلة ومتاحة لنقل المسافرين والمرضى عبر الخطوط الجوية الوطنية أو عواصم عربية كعَمّان.

​إن قراءة المشهد بعمق تفكك هذه الرغبة الحوثية إلى أبعاد استراتيجية، وعسكرية، وسياسية تتجاوز بكثير مجرد تسيير رحلات مدنية أو "إنسانية" كما تزعم الجماعة.

​أولاً: الدوافع الاستراتيجية والأمنية للجسر الجوي

​1. غياب الحاضنة الشعبية في طهران.. السؤال الفاضح

​لا توجد لليمنيين جالية في إيران، ولا توجد عمالة يمنية تبحث عن لقمة العيش هناك، ولا تضم طهران جامعات تستقطب آلاف الطلاب اليمنيين كبقية دول العالم، ولا حتى مستشفيات يقصدها عامة الشعب للعلاج. إذن، لمن هذه الرحلات؟

هذا التساؤل البسيط يُسقط القناع الإنساني عن الملف بالكامل، ويكشف أن المستفيد الوحيد هو الدائرة الضيقة للمليشيات الحوثية، وسدنتها في طهران.

​2. النقل اللوجستي والعسكري الآمن

​يمثّل الجسر الجوي المباشر مع طهران —وتحديداً عبر شركات مثل "ماهان إير" المدرجة على قوائم العقوبات الدولية لارتباطها بالحرس الثوري— فرصة ذهبية للمليشيات الحوثية.

هذا الخط يوفر ممرًا آمنًا لنقل:
​الخبراء العسكريين والتقنيات الحساسة وقطع الغيار للطائرات المسيرة والصواريخ.

​المقاتلين والقيادات الحوثية بعد تلقيهم التدريب في معسكرات الحرس الثوري الإيراني.

​كل ذلك يتم بعيداً عن أعين الرقابة والتفتيش الصارمة التي تخضع لها الرحلات المارة عبر المطارات الوسيطة.

​3. التهرب من الناقل الوطني وتجميد أصول "اليمنية"

​أحد أبرز الأدلة على زيف الادعاءات الإنسانية هو رفض الحوثيين المستمر لمبادرات الحكومة الشرعية لتسيير رحلات الركاب والمرضى عبر شركة "الخطوط الجوية اليمنية" (الناقل الوطني الوحيد).

بل وعمدت مليشيا الحوثي إلى احتجاز وتجميد أصول طائرات اليمنية في صنعاء؛ هذا السلوك يؤكد رغبتهم في إحلال الطيران الإيراني كبديل كامل، لضمان السيطرة المالية واللوجستية المطلقة على حركة السفر.

​ثانياً: الأبعاد السياسية وفرض الأمر الواقع

​4. كسر القيود السيادية وصناعة "شرعية زائفة"
​بالنسبة الحوثيين، فإن هبوط طائرات إيرانية في مطار صنعاء والحديدة دون إذن أو تنسيق مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً يمثل انتصاراً سياسياً ورمزياً تحاول تسويقه.

أن مليشيا الحوثي تسعى عبر هذا الجسر الجوي إلى إثبات أنها سلطة مستقلة تمتلك قرارها السيادي وتدير علاقاتها الخارجية مباشرة، ضاربةً بالاتفاقيات الدولية وقرارات مجلس الأمن عرض الحائط.

​5. ورقة ابتزاز إقليمي وضغط سياسي

​يأتي التصعيد الحوثي الأخير متزامناً مع تلويح الجماعة بعودة المواجهات واستهداف المنشآت في دول الجوار.

تستخدم مليشيا الحوثي ملف المطار والرحلات الإيرانية كورقة ضغط وابتزاز سياسي ضد المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية لفرض شروطه في أي مفاوضات قادمة تتعلق بخارطة الطريق، وصرف الرواتب، وفتح الأجواء دون قيد أو شرط.

​6. تنفيذ الأجندة الإيرانية: خنق باب المندب

​الإصرار الحوثي ليس نابعاً من مصلحة يمنية، بل هو تنفيذ حرفي لأوامر "الحرس الثوري الإيراني" و"حزب الله" اللذين يديران العمليات العسكرية في البحر الأحمر.

و الهدف هو تحويل الساحل الغربي لليمن وباب المندب إلى ورقة ابتزاز عالمية بيد طهران.

المليشيات الحوثية هنا ليست إلا "اللافتة اليمنية" التي يختبئ خلفها المشروع الإيراني لنشر الفوضى في خطوط الملاحة الدولية، وصولاً إلى التنسيق مع منظمات قراصنة وجماعات متطرفة في القرن الإفريقي لزيادة الضغط.

​ثالثاً: المغامرة الحوثية وسيناريوهات الحسم

​7. احتراق الكروت ونهاية الرهان

​هذه المرة، يبدو أن المغامرة الحوثية قد تجاوزت الخطوط الحمراء، وكروته السياسية والعسكرية بدأت تحترق بالفعل.

الإصرار على العناد وربط مصير اليمن بطهران قد يرتد وبالاً على عليها؛ فالمؤشرات على الأرض تدل على أن طهران قد تخسر هذا الرهان الأخير (رهان باب المندب)، لأن العناد الحوثي قد يدفع نحو تحرك عسكري حاسم ومسنود دولياً وإقليمياً لإنهاء هذا التهديد.

​8. سيناريو التحرير القادم: نحو مدينة الحديدة

​التمسك بالجسر الجوي الإيراني وتهديد الملاحة قد يكون الشرارة التي تطلق عملية عسكرية واسعة النطاق لتحرير الساحل الغربي وتأمين تهامة بالكامل.

والتحرك هذه المرة لن يكون تقليدياً، بل قد ينطلق عبر جبهات طال انتظار تحركها: من اكثر من مديرية، ​وصولاً إلى قلب مدينة الحديدة وموانئها، لقطع الشريان اللوجستي الذي تتغذى منه مليشيا الحوثي، وإغلاق منافذ التهريب الإيرانية وإلى الأبد.

​الخلاصة:
​إن إصرار مليشيا الحوثي على رحلات الطيران الإيراني يبرهن مجدداً على أن الجماعة تضع ارتباطها العضوي بمشروع "محور المقاومة" الإيراني فوق أي اعتبارات وطنية أو إنسانية تخص الشعب اليمني.

​ففي الوقت الذي يتطلع فيه المواطن اليمني البسيط إلى رحلات مدنية آمنة ومستقرة تربطه بالعالم لتلقي العلاج أو الدراسة، تُصر مليشيا الحوثي على تحويل الأجواء اليمنية إلى خطوط إمداد سياسي وعسكري، مما يهدد بجر البلاد مجدداً إلى دوامة الصراع الشامل ويعمق من عزلتها الدولية.