اخبار وتقارير

السبت - 01 أغسطس 2026 - الساعة 04:22 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب

كان الطبيب يقف صامتًا أمام مريضه. جرّب الدواء الأول، فلم ينفع. غيّر الخطة، فازداد المرض انتشارًا. استدعى طبيبًا آخر، ثم ثالثًا، وتشاور الجميع، وأعطوا الجسد فرصة بعد أخرى. لم يكن أحد منهم يريد أن يصل إلى الكي، لأن الكي مؤلم، والطبيب الحقيقي لا يعشق الألم، بل يعشق الشفاء.
لكن المرض لم يكن يريد الشفاء.
كان يقاوم كل دواء، ويسخر من كل محاولة، ويتمدد في الجسد حتى أوشك أن يلتهم ما بقي منه. عندها، أغلق الطبيب ملف الأدوية، ووضع أمامه أداة الكي، وقال كلمته التي يعرفها أهل الطب منذ قرون: لقد انتهى وقت الدواء.. وجاء وقت الكي.
وهكذا تبدو اليمن اليوم.
فلم يكن ينقصها الوسطاء، ولا المبادرات، ولا الاتفاقات، ولا الدعوات إلى السلام. بل إن أبواب التسوية السياسية فُتحت مرارًا، ومدّت الدولة والتحالف والمجتمع الدولي فرصًا متكررة لإنهاء الحرب، وحقن الدماء، وإعادة اليمن إلى طريق الاستقرار.
لكن الحوثي كان في كل مرة يختار طريقًا آخر. رفض المبادرات، ورفض التسويات، ورفض التنازلات التي كانت كفيلة بإنهاء معاناة ملايين اليمنيين، وظل يراهن على استمرار الحرب، حتى أصبحت البلاد تدفع كل يوم ثمن هذا الرفض.
لقد صبر اليمن كثيرًا، وصبر شعبه أكثر. عشر سنوات كانت كافية ليجرب الجميع كل أشكال العلاج السياسي، وكل وسائل الاحتواء، وكل محاولات إيقاف الحرب. لكن عندما يتحول رفض السلام إلى نهج، وعندما يصبح الحوار مجرد وسيلة لكسب الوقت، فإن الأزمات تدخل مرحلة مختلفة، مرحلة تُقاس بضرورات الواقع.
ولهذا، فإن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن الأزمة تقترب من مرحلة أكثر حسمًا إذا استمر رفض الحوثي لأي تسوية. فليس من المنطقي أن تبقى أبواب الحل مفتوحة إلى الأبد، بينما تُغلق من الطرف الآخر في كل مرة.
إن الكي لا يأتي انتقامًا، بل يأتي بعد أن تُستنفد كل وسائل العلاج. والتاريخ مليء بأزمات لم تُحسم إلا عندما أصر طرفٌ على رفض كل فرصة أُتيحت له.
وربما لم يعد السؤال اليوم: هل يصل اليمن إلى آخر العلاج؟ بل: هل يدرك الحوثي أن رفضه المستمر للتسويات هو الذي يدفع بالأزمة نحو تلك المرحلة؟
ما زال باب السلام هو الطريق الأقل كلفة، لكنه لا يبقى مفتوحًا بلا نهاية. ومن يرفض الدواء مرة بعد أخرى، لا ينبغي أن يتفاجأ إذا وجد أن ما تبقى أمامه هو العلاج الذي كان يظنه بعيدًا.
فقد يختلف الناس حول الوسائل، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: أن المرض إذا استعصى، ولم يعد يستجيب لكل محاولات العلاج، فإن آخر العلاج.. الكي.