منوعات

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 08:06 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم د . أصيل الظاهري*

تُظهر كثير من المقاطع المصوّرة القادمة من مناطق الحروب أناسًا يقفون أو يتحدثون بهدوء بينما تقع الانفجارات على مقربة منهم. وغالبًا ما يُفسَّر هذا المشهد في الخطاب الإعلامي بوصفه دليلًا على شجاعة استثنائية أو تماسك نفسي فريد. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، يغفل حقيقة نفسية أكثر تعقيدًا وأشد قسوة. فمن منظور الطب النفسي، لا يُعبّر هذا الهدوء الظاهري في كثير من الأحيان عن شجاعة بقدر ما يعكس أثر التعرض المزمن للصدمة، وتحديدًا ما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة المعقّد، حيث لا تعود الصدمة حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل تتحول إلى سياق دائم للحياة.
في التصور الكلاسيكي لاضطراب ما بعد الصدمة، تكون الصدمة حدثًا محددًا في الزمن، كحادث أو اعتداء أو كارثة، يعقبه انتقال – كلي أو جزئي – إلى بيئة أكثر أمانًا، ويكون الصراع النفسي قائمًا بين ذاكرة الحدث الصادم والحاضر الذي لم يعد مهدِّدًا بالدرجة نفسها. أما في الحروب الممتدة، فإن هذا النموذج يفقد صلاحيته، إذ يصبح العنف متكررًا، غير متوقّع، ويفتقر إلى نهاية واضحة. في مثل هذه الظروف، لا يعيش الإنسان بعد الصدمة، بل يعيش داخلها، حيث تتحول من استثناء إلى بنية يومية تُعيد تشكيل النفس بشكل عميق وبطيء.
أحد أبرز مظاهر هذا التحول هو ما يُعرف بالتبلّد العاطفي، وهو سمة مركزية في اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد. هذا التبلّد لا يعني اختفاء الخوف، بل يشير إلى قيام الجهاز العصبي بتقليص الاستجابة الانفعالية كآلية دفاعية في مواجهة تهديد مستمر لا يمكن السيطرة عليه. فعندما يصبح الخطر دائمًا، يفقد الخوف وظيفته الوقائية، ويتحول إلى عبء نفسي غير قابل للتحمّل. عندها، تنتقل النفس من أنماط الاستجابة النشطة، كالكرّ أو الفرّ، إلى حالات أكثر خمودًا مثل التجمّد أو الإغلاق النفسي، ليس بوصفه تعافيًا أو تماسكًا، بل كوسيلة لتفادي الانهيار الكامل.
مع استمرار هذا النمط من التكيّف، تبدأ القيمة النفسية للحياة بالتآكل. تشير الأدبيات السريرية إلى أن الأفراد الذين يتعرضون لصدمات مزمنة يُظهرون اضطرابًا عميقًا في مفهوم الذات، يتجلى في شعور دائم بعدم الأهمية، وتراجع الإحساس بالاستحقاق، وضعف الارتباط بالمستقبل. في هذه المرحلة، لا يفقد الإنسان رغبته في الحياة بقدر ما يفقد إحساسه بأنها شيء يمكن حمايته أو الاستثمار فيه نفسيًا. ومع الزمن، يصبح الإحساس ذاته مكلفًا، ويغدو الصمت العاطفي وسيلة للبقاء لا دليلًا على القوة.
في المجتمعات المستقرة، تُربط الإنسانية عادةً بالقدرة على الإحساس العميق، كالحزن والخوف والأمل والتعاطف. غير أن الصدمة المزمنة تُجبر النفس على تقليص هذه القدرات إلى الحد الأدنى اللازم للاستمرار. الإنسانية لا تختفي، لكنها تنكمش وظيفيًا، ويغدو غياب التعبير الانفعالي علامة على إنهاك نفسي عميق، لا على تفوق أخلاقي أو شجاعة استثنائية. فالإنسان الذي لا يرتجف عند الانفجار ليس بالضرورة أكثر صلابة، بل في كثير من الأحيان شخص استُنزف إلى درجة لم يعد فيها التفاعل الشعوري ممكنًا دون كلفة نفسية باهظة.
إن تمجيد هذا النمط من التحمّل بوصفه بطولة ينطوي على إشكالية أخلاقية ومعرفية خطيرة، لأنه يُحوّل الأذى النفسي إلى فضيلة، ويعيد تقديم الضرر بوصفه قيمة إيجابية. كما أنه يخفف من عبء الاعتراف الجماعي بحجم المأساة النفسية التي تخلّفها الحروب الطويلة، ويُسهّل على العالم الاكتفاء بالإعجاب بدل المساءلة. فالثبات هنا ليس اختيارًا حرًا، بل نتيجة غياب البدائل، والتكيّف ليس دليل قوة، بل شهادة على واقع غير إنساني.
في الحروب الممتدة، لا يقتصر الدمار على الأجساد أو البنى التحتية، بل يمتد ليطال البنية النفسية للإنسان ذاته. وما يُوصف غالبًا بالشجاعة أو رباطة الجأش قد يكون في حقيقته إعادة تنظيم قسرية للحياة الشعورية تسمح بالبقاء على حساب الإحساس. إن أخطر ما تفعله الحرب ليس فقط قتل الإنسان، بل دفعه إلى العيش بأقل قدر ممكن من الإنسانية.


بقلم د . أصيل الظاهري* 
طبيب مهتم بعلم النفس والصحة النفسية، يركز في كتاباته على أثر الصدمات الممتدة والحروب على النفس الإنسانية، وعلى كيفية إعادة تشكّل المعنى والإنسانية في الظروف القصوى.