بقلم: محمد الخيواني – رئيس مؤسسة تشبيك للتنمية والمناصرة والإغاثة
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
يحلّ علينا شهر رمضان المبارك هذا العام محمّلاً بنفحاته الإيمانية وروحانيته المميزة، لكنه يعود وقد غاب عنّا رجلٌ كان حضوره يضفي على المجالس دفئاً، وعلى الحديث حكمة، وعلى الناس طمأنينة. إنه أول رمضان يمضي دون رجل الاقتصاد والعطاء الإنساني أبوبكر بازرعة.
لم يكن رحيله في رمضان، لكنه ترك في القلوب والمشهد الاقتصادي والاجتماعي فراغاً لا تملأه الأيام. وفي هذا الشهر الفضيل، نرفع أكف الدعاء بأن يتغمده الله برحمته الواسعة ويسكنه فسيح جناته.
يُعد الفقيد أحد أبرز أعلام الاقتصاد اليمني، ورائداً من روّاد قطاع الأعمال الذين تركوا بصماتهم في بناء الاقتصاد الوطني. ارتبط اسمه بـ مجموعة بازرعة التجارية التي أسسها وطوّرها حتى أصبحت إحدى المجموعات الاقتصادية العريقة في اليمن.
وقد كانت وكالة تويوتا في اليمن التي تديرها شركة بازرعة للاستيراد إحدى أبرز محطات نجاحه، حتى أصبحت اسماً مرادفاً للثقة والجودة داخل اليمن وخارجه.
توسع بعدها نشاطه ليشمل قطاعات الصناعة والعقارات والخدمات والتقنية، مؤكداً رؤية رجل اقتصاد يؤمن بأن النجاح الحقيقي هو في الاستثمار في الوطن وأبنائه.
أعمال لا تنقطع… كما علّمنا الرسول ﷺ
قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له."
وفي حياة أبوبكر بازرعة ما يؤكد تجسيد هذه الأعمال الثلاثة:
1. العلم الذي يُنتفع به كان مدرسة في الإدارة والتجارة، وقدّم خبراته بسخاء لجيل كامل من الشباب ورواد الأعمال. ظل يعلّم ويحفّز ويرشد، واليوم لا تزال فلسفته في العمل تُحتذى ونصائحه تُستذكر.
2. الولد الصالح ترك ذرية طيبة ذكورا وإناثا تحمل رسالته وتواصل مسيرة المجموعة التجارية والخيرية، وتغمره بالدعاء في هذا الشهر الفضيل وفي كل وقت.
3. الصدقة الجارية وهنا يبرز الجانب الإنساني الأعمق في مسيرة الفقيد، من خلال مؤسسة بازرعة التنموية الخيرية التي مثّلت امتداداً ليده البيضاء.
ومن أهم أعماله التي لا يزال أثرها مستمراً:
• الكفالة التعليمية لطلاب الجامعات من الأسر الفقيرة كان يرى أن التعليم هو المفتاح الحقيقي للنهوض، ولذلك قدّم دعماً دائماً للطلاب غير القادرين على إكمال تعليمهم الجامعي. مئات الطلاب تخرّجوا بفضله، وتحولت حياتهم وحياة أسرهم إلى الأفضل.
• السكن الجامعي للطلاب والطالبات استشعاراً لمعاناة الطلاب من المحافظات البعيدة، أسهم في توفير سكن جامعي آمن ومحترم للطلاب والطالبات، مما ساعدهم على التركيز على العلم وتخفيف الأعباء عن أسرهم. وستظل هذه المساكن مشرقة بالأثر ونافعة لأجيال متعاقبة.
• المشاريع الخيرية في الصحة والتعليم والإغاثة كم من مريض وجد العلاج، وكم من أسرة وجدت العون، وكم من إنسان أعاد إليه الأمل في أحلك الظروف. ولم يقتصر عطاؤه على اليمن، بل امتد إلى دول أخرى محتاجة.
إنها جميعاً صدقات جارية، يكتب الله أجرها للفقيد ما بقي أثرها نافعاً.
رجل في ذاكرة اليمن
احتفظ أبوبكر بازرعة بمكانة عالية في الوسطين الاقتصادي والاجتماعي. كان مثالاً لرجل الدولة بروح رجل الأعمال، وصاحب رؤية استطاع رغم التحديات الصعبة أن يحافظ على قوة مؤسساته واستقرارها. أخلص لوطنه، وأعطى بسخاء، وترك نموذجاً مشرفاً لرجل الأعمال الذي يجمع بين النجاح والإنسانية.
رمضان… موسم للدعاء له
هو غائب عن موائد الإفطار، وعن صفوف التراويح، لكن أثره لا يغيب. نراه في كل مشروع خيري، في كل طالب علم يستفيد من دعمه، في كل شاب تتلمذ على يديه، وفي كل أسرة امتدت إليها يده الطيبة.
ندعو له، نتلو القرآن لأجله، ونتصدق عنه… فهذا بعض الوفاء لمن قدّم الكثير.
ختاماً
رحل أبوبكر بازرعة عن الدنيا، لكنه لم يرحل عن قلوب الناس ولا عن ذاكرة اليمن. ترك إرثاً ممتداً من الخير والعمل، وبصمات ستبقى شاهدة عليه ما بقيت مؤسساته وأعماله الجارية.
اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، ونوّر قبره، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان .