اخبار وتقارير

السبت - 09 مايو 2026 - الساعة 09:21 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

في اليمن اليوم، لم يعد المواطن يعيش أزمة حرب فقط، بل يعيش استنزافاً يومياً مفتوحاً بين سلطتين، كل واحدة منهما تدير معركتها الخاصة على حساب الإنسان البسيط. المواطن أصبح الحلقة الأضعف في صراع سياسي واقتصادي معقد، يدفع ثمنه من لقمة عيشه، ومن صحته النفسية، ومن استقرار أسرته، بينما تتضخم ثروات شبكات النفوذ وتجار الحرب على جانبي الانقسام.

في مناطق سيطرة الحوثيين، يعيش الناس حصاراً اقتصادياً خانقاً، وانعداماً حاداً في السيولة النقدية، وركوداً غير مسبوق في حركة الأعمال. المواطن هناك لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل عن الحد الأدنى من الحياة. كثير من الأسر تعيش بلا دخل ثابت، فيما تحولت الأموال إلى سلطة محتكرة بيد شبكات مرتبطة بالجماعة ورؤوس الأموال المتحالفة معها.

ورغم كل الحديث عن “الصمود” و”الاقتصاد المقاوم”، إلا أن الواقع يكشف فجوة هائلة بين المواطن العادي وبين طبقة جديدة من النافذين والتجار الذين يعيشون في قمة الرفاهية، بينما الجوع يلتهم الناس منذ دخول الجماعة إلى صنعاء. السوق راكد، فرص العمل شبه معدومة، والسيولة شحيحة إلى درجة أن كثيراً من المواطنين لا يجدون المال الكافي حتى لتغطية احتياجاتهم اليومية.

أما في مناطق الحكومة الشرعية، فالصورة ليست أفضل كثيراً، وإن اختلفت الأدوات. هناك يشعر الموظف بأنه عالق داخل دوامة طويلة من التلاعب والتأخير والوعود المتكررة. الرواتب تُصرف بالقطارة، والإجراءات المعقدة تُدار بطريقة تستنزف الإنسان نفسياً قبل أن تستنزفه مادياً.

الموظف الحكومي في مناطق الشرعية لم يعد يعيش على راتبه، بل يعيش مطارداً بالديون والالتزامات. وما إن يُصرف الراتب بعد تأخير طويل، حتى يكون قد استُهلك مسبقاً في سداد القروض والديون وتكاليف الحياة الأساسية. كثير من الموظفين دخلوا في صراع داخلي مرهق مع أنفسهم وأسرهم، وبعضهم وصل إلى مراحل خطيرة من الانهيار النفسي وفقدان السيطرة على حياته اليومية.

الأزمة لم تعد مجرد تأخير راتب، بل تحولت إلى حالة إنهاك مستمرة تدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز الكامل. فالموظف الذي يفترض أن يكون مستقراً اجتماعياً أصبح عاجزاً حتى عن مواساة أهله أو إرسال مبلغ بسيط لأقاربه في مناطق الحوثيين، رغم أن النقد المحلي ما يزال متوفراً نسبياً في مناطق الشرعية، وحركة الأعمال قائمة بشكل محدود.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تآكل القيمة الشرائية، والفجوة الكبيرة بين الراتب ومتطلبات الحياة. المواطن يعمل فقط ليغطي مصروف يومه، دون قدرة على الادخار أو بناء أي استقرار اقتصادي. حتى من يمتلك وظيفة بات يشعر أن راتبه لا يكفيه لعبور أسبوع واحد بكرامة.

الانقسام النقدي بين الحوثيين والشرعية لم يكن مجرد نتيجة عشوائية للحرب، بل بدا – وفق كثير من القراءات الاقتصادية – جزءاً من مسار طويل لنقل الصراع من المواجهة العسكرية إلى الاستنزاف الاقتصادي. الحرب هدأت نسبياً في الجبهات، لكنها اشتعلت في الأسواق والبنوك والعملات وأسعار الصرف.

في مناطق الشرعية ارتفع سعر الريال السعودي بصورة جنونية خلال السنوات الماضية، بينما بقي منخفضاً نسبياً في مناطق الحوثيين، ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة بين اليمنيين أنفسهم. المواطن في عدن أو مأرب أو تعز لم يعد قادراً على دعم أسرته في صنعاء أو ذمار أو إب، لأن فارق الصرف التهم قدرته بالكامل.

ومع الضغوط الكبيرة التي مورست خلال السنوات الأخيرة لإعادة ضبط سعر الصرف، ظهرت مؤشرات على إمكانية تعافي الريال اليمني، خصوصاً بعد تغييرات في إدارة البنك المركزي وضغوط سياسية واقتصادية واسعة. لكن – بحسب ما يتداوله اقتصاديون ومراقبون – اصطدمت تلك المحاولات بشبكات مصالح واسعة تضم نافذين ورؤوس أموال مستفيدين من استمرار الفوضى النقدية.

هناك لوبي اقتصادي متجذر استفاد من انهيار العملة ومن المضاربات ومن احتكار السوق، ولم يكن من مصلحته أن يتعافى الريال اليمني بصورة حقيقية، لأن تعافي العملة يعني تقليص نفوذهم وأرباحهم الهائلة.

ولهذا، حين بدأ الريال يتحسن تدريجياً، ووصل سعر الصرف إلى مستويات أقل، ظهرت مقاومة قوية داخل مراكز النفوذ الاقتصادي لمنع استمرار التعافي الكامل. فبحسب ما يراه كثيرون، كان من الممكن أن يواصل الريال تحسنه بصورة أكبر، بما ينعكس على حياة المواطن والموظف، لكن التدخلات والمصالح أوقفت هذا المسار.

اليوم، حتى مع انخفاض سعر الصرف نسبياً، لم يشعر المواطن بتحسن حقيقي، لأن السوق فقد توازنه، والسيولة المحلية أصبحت شحيحة، وحركة النقد تعرضت لاختلال كبير. المواطن الذي كان ينفق أربعين ألف ريال يومياً ما يزال ينفق المبلغ نفسه تقريباً، لأن الأسعار لم تتراجع بصورة عادلة، ولأن السوق يعيش حالة ارتباك وجفاف نقدي.

الناس كانوا يتوقعون أنه مع تعافي الريال ستتحسن القدرة الشرائية، وأن الموظف سيتمكن من العيش بصورة أفضل، وربما تُصرف الرواتب بالريال السعودي أو بما يعادل قيمتها الحقيقية. لكن ذلك لم يحدث.

بل ظهرت تبريرات جديدة تتحدث عن شح العملة المحلية وانعدام السيولة، رغم أن هذه المشكلة لم تكن تُطرح بنفس الطريقة حتى في ذروة انهيار العملة سابقاً. وهذا ما جعل كثيرين يعتقدون أن الأزمة تُدار بصورة تخدم كبار المتحكمين بالسوق أكثر مما تخدم المواطن.

حتى “الإكراميات” والمساعدات المالية يتم تعطيلها أو تأخيرها بحجة عدم توفر النقد المحلي، بينما يرفض النافذون صرفها بالريال السعودي، لأن ذلك سيؤثر على مصالحهم المرتبطة بسوق الصرف والتحويلات والكتلة النقدية.

في النهاية، يجد المواطن نفسه وحيداً وسط شبكة معقدة من تجار الحروب والمضاربين والمتنفذين، الذين حوّلوا اليمن إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف الاقتصادي. المواطن لم يعد يشعر أن هناك دولة تحميه أو نظاماً اقتصادياً يعمل من أجله، بل يرى نفسه مجرد ضحية لصراع طويل تتحكم به شبكات مصالح لا ترى في الناس سوى أرقام وخسائر وأدوات ضغط.

وهكذا يعيش اليمنيون واحدة من أقسى المراحل في تاريخهم الحديث؛ مرحلة اختلطت فيها السياسة بالمال، والحرب بالمضاربة، وتحولت فيها معاناة المواطن إلى جزء من لعبة أكبر تديرها مافيات النفوذ وتجار الأزمات، بينما الإنسان البسيط يدفع الثمن كل يوم من عمره وكرامته وحياته.