صدى الساحل - بقلم - مطيع.سعيدسعيدالمخلافي
لم يعرف اليمن في تاريخه الحديث مرحلة أكثر قسوة وانهياراً من المرحلة التي يعيشها منذ أكثر من عقد، حيث تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات والحروب والتدخلات الخارجية، وغابت السيادة الوطنية وتلاشى القرار المستقل، بينما وجد الشعب نفسه محاصراً بين سلطات متصارعة وأزمات لا تنتهي.
فمنذ انقلاب المليشيات الحوثية على الدولة، دخل اليمن في دوامة كارثية مزقت الوطن وأضعفت مؤسساته، لتتحول العاصمة المختطفة صنعاء ومعظم المحافظات الشمالية إلى مناطق خاضعة لسلطة المليشيا المدعومة من إيران، في حين تسيطر الحكومة الشرعية على المحافظات الجنوبية وأجزاء من بعض المحافظات الشمالية وسط حالة من الانقسام والتنازع الداخلي.
وخلال سنوات الحرب، مارست المليشيات الحوثية عبثاً غير مسبوق بمؤسسات الدولة، فدمرت البنية التحتية، ونهبت الإيرادات والثروات العامة، وفرضت الجبايات والإتاوات على المواطنين، وأغرقت المجتمع بالخوف والقمع والاستبداد. كما ارتكبت انتهاكات واسعة بحق المدنيين، شملت القتل والاختطاف والاعتقال والتعذيب، واستهدفت الإعلاميين والسياسيين والمشائخ والموظفين والنساء ورجال الدين، إلى جانب فرض التجنيد الإجباري على الأطفال والزج بهم في جبهات الموت بعد إخضاعهم لدورات طائفية متطرفة.
ولم يتوقف الخراب عند الجانب الأمني والعسكري، بل امتد ليضرب التعليم والصحة والقضاء والاقتصاد، حيث توقفت المرتبات، وتعطلت مؤسسات العدالة، وغابت سلطة القانون لتحل محلها شريعة القوة والمصالح الضيقة، بينما توسعت مشاريع الموت والسجون والمقابر في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها اليمنيون.
وفي المقابل، لم تنجح الحكومة الشرعية في تقديم نموذج مختلف يخفف من معاناة المواطنين، إذ لا تزال المناطق الواقعة تحت سيطرتها تعاني من الانقسامات والصراعات البينية، وفشل واضح في إدارة الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات العامة، إضافة إلى استمرار الفساد وتعثر تنفيذ القرارات الرسمية، وعدم إلزام المؤسسات والمحافظات بتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن.
ورغم كل هذا الخراب والانهيار غير المسبوق، يعيش الشعب اليمني حالة صمت وضعف واستسلام تثير كثيراً من التساؤلات، فشعبٌ عانى الجوع والقهر والظلم والحرب، ما يزال عاجزاً عن فرض إرادته أو انتزاع حقوقه أو مواجهة الاستبداد الذي يطحنه من كل الجهات.
إن استمرار هذا الصمت لن يعيد الدولة، ولن ينهي الانقلاب، ولن يستعيد السيادة الوطنية، فالأوطان لا تُنقذ إلا بإرادة شعوبها. ولن يخرج اليمن من أزمته العميقة إلا بتحرك شعبي واسع يرفض الظلم والفساد والاستبداد، ويرفع صوت المواطنين فوق أصوات السلاح والمصالح الضيقة، حتى تستعاد الدولة ويعود الوطن لجميع أبنائه.