اخبار وتقارير

الخميس - 04 يونيو 2026 - الساعة 08:31 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

تستمر جماعة الحوثي في تجاهل معاناة المواطنين، مع تصاعد خطابها السياسي واحتفالاتها السنوية، في وقت تعيش فيه ملايين الأسر اليمنية تحت وطأة الفقر والجوع وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات الأساسية. وفي المقابل، تنفق الجماعة مبالغ كبيرة على فعاليات ما يسمى بـ"يوم الولاية" و"الغدير"، وتُسخر إمكانيات الدولة ومواردها، إلى جانب المؤسسات الرسمية والتعليمية والإعلامية، لخدمة هذه المناسبة التي تحولت من طابعها الرمزي إلى مشروع تعبوي وسياسي واسع النطاق.

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تُرفع الشعارات واللافتات، وتُقام المهرجانات والخطابات والمسيرات، وتُطلق الألعاب النارية وأعيرة نارية في الهواء، بينما يعيش المواطن البسيط واقعاً مختلفاً تماماً، عنوانه العوز والبطالة وارتفاع الأسعار وانعدام فرص الحياة الكريمة، في ظل تراجع واضح في الخدمات الأساسية.

ولا تكمن المأساة فقط في حجم الأموال التي تُصرف على هذه الفعاليات، بل أيضاً في آلية جمعها. فمع اقتراب ما يسمى "يوم الولاية"، تتسع حملات الجبايات والإتاوات على التجار وأصحاب المحلات التجارية والشركات والمؤسسات والمواطنين، تحت مسميات متعددة، فيما تتحول بعض المكاتب الحكومية والمشرفين التابعين للجماعة إلى أدوات ضغط لفرض التبرعات والمساهمات.

وفي الوقت الذي يُجبر فيه المواطن على تمويل هذه الفعاليات، يُمنع من التساؤل عن راتبه المنقطع منذ سنوات، أو عن أسباب انهيار العملة والخدمات، أو عن مصير الموارد والإيرادات الضخمة التي تجبيها الجماعة من الضرائب والجمارك والموانئ والاتصالات والمشتقات النفطية. كما أن أي صوت ينتقد هذه الممارسات أو يقارن بين حجم الإنفاق على الاحتفالات وحجم معاناة المواطنين، يواجه في كثير من الحالات تضييقاً أو تهديداً أو ملاحقة.

لقد عملت جماعة الحوثي خلال السنوات الماضية على تحويل "يوم الولاية" إلى إحدى أبرز المناسبات السياسية في مناطق سيطرتها، بهدف ترسيخ خطابها العقائدي والسياسي، القائم على الاصطفاء السلالي واحتكار السلطة تحت غطاء ديني. ومن خلال هذه المناسبة، تسعى الجماعة إلى إعادة إنتاج خطابها وتقديم نفسها باعتبارها صاحبة حق حصري في الحكم والقيادة، في مقابل رفض متصاعد داخل شرائح واسعة من المجتمع اليمني لهذا التوجه.

والحقيقة أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يمثل رمزاً دينياً وتاريخياً عظيماً لدى المسلمين جميعاً، إلا أن توظيف هذا الرمز في سياق سياسي معاصر لا يعكس بالضرورة احتياجات اليمنيين ولا أولوياتهم اليومية. فالمواطن اليوم لا يبحث عن مزيد من الخطابات والشعارات، بل عن راتب يؤمّن به احتياجات أسرته، ومدرسة لأطفاله، ومستشفى لعلاجه، وخدمات تحفظ له كرامة العيش.

وقد أدى هذا النهج إلى تعميق الانقسام المجتمعي وإشغال الناس بقضايا سياسية وأيديولوجية، بينما تتفاقم الأزمات المعيشية والإنسانية يوماً بعد آخر. فبدلاً من توجيه الموارد نحو التنمية وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات، تُستنزف في فعاليات دعائية لا تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.

وبعد أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب، لم يعد اليمنيون بحاجة إلى مزيد من التعبئة السياسية، بل إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة ويحفظ الحقوق ويوقف تدهور الأوضاع المعيشية. فالأمم لا تُبنى بالشعارات ولا بالمواسم الاحتفالية، وإنما تُبنى بالتعليم والتنمية والعدالة ومؤسسات قادرة على خدمة المواطنين.

إن اليمن الذي يواجه أزمة إنسانية متفاقمة بحاجة إلى مدارس ومستشفيات وطرق وفرص عمل، لا إلى مواسم جديدة من الجبايات والاستعراض السياسي، وبحاجة إلى صرف الرواتب وتحسين الخدمات، لا إلى إنفاق الموارد على فعاليات تزيد من معاناة المواطنين.

وفي ظل هذا الواقع، لا يعود السؤال الأهم عن حجم الاحتفالات أو مظاهرها، بل عن مصير الحقوق المعيشية والرواتب المتوقفة ومستقبل الأجيال في بلد أنهكته الحرب وأثقلته الصراعات.

فبينما تتسع أضواء "الولاية"، تتسع معها رقعة الجوع والفقر، في مشهد يعكس واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الواقع اليمني اليوم.