صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
البوصلة لا تصنع الطريق، لكنها تفضح من يسير في الاتجاه الخطأ.
قد يختلف المسافرون على الخرائط، ويتجادلون حول أقصر الطرق وأطولها، لكنهم جميعًا يعودون في النهاية إلى إبرة صغيرة لا تعرف المجاملة. لا تنحاز إلى الأمنيات، ولا تتأثر بالشعارات، ولا تعبأ بمن يرفع صوته أكثر من غيره. إنها تشير دائمًا إلى الاتجاه الذي تراه صحيحًا، ولو وقف العالم كله في الجهة المقابلة.
واليمن اليوم تبدو وكأنها وضعت يدها على بوصلة جديدة.
بعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد المشهد كما كان. الإقليم يتغير، والتحالفات تعيد ترتيب أوراقها، والفاعلون السياسيون والعسكريون يراجعون حساباتهم، بينما تتراكم الضغوط على الجميع. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الأسئلة عن تفاصيل المعركة القادمة، بل عن الاتجاه الذي تسير إليه البلاد.
هناك من اعتقد أن القوة وحدها قادرة على تجميد الزمن، وأن السيطرة على المدن تعني السيطرة على المستقبل. لكن التجارب تثبت أن الجغرافيا قد تُنتزع بالسلاح، أما الزمن فلا يحتفظ بولائه لأحد. وكل مشروع يعجز عن تحويل سلطته إلى دولة، وعن إقناع الناس بأن الغد سيكون أفضل من الأمس، يبدأ بالتآكل من الداخل قبل أن يواجه خصومه.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة مختلفة. ليس لأنها تحمل يقينًا بالحسم، بل لأنها تحمل مؤشرات على أن معادلات السنوات الماضية لم تعد ثابتة كما كانت. وحين تتغير المعادلات، يصبح كل طرف مطالبًا بإعادة قراءة المشهد، لا بعين الأمس، بل بعين المستقبل.
أما الحوثي، فمشروعه يتآكل أمام أعين الجميع، مهما حاول أن يرفع صوته أو يختبئ خلف الشعارات. لقد بدا في لحظة ما وكأنه يملك زمام المبادرة، لكنه اليوم يواجه واقعًا مختلفًا: ضعفًا متزايدًا، واستنزافًا مستمرًا، وتراجعًا في القدرة على الإقناع والسيطرة معًا. فاستمرار الصراع، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية، وتبدل الحسابات السياسية، كلها تكشف أن أيامه ليست طويلة كما يتوهم، وأن ما بناه بالقوة ينهار ببطء تحت وطأة الزمن والحقائق.
وهذا لا يعني أن النهاية تُكتب بالشعارات، بل إن أي مشروع سياسي أو عسكري يظل مرهونًا بقدرته على التكيف مع المتغيرات، وإلا وجد نفسه يصارع الزمن أكثر مما يصارع خصومه. والحوثي اليوم ليس في موقع القوة التي لا تُمس، بل في موقع الضعف الذي يحاول أن يتخفى خلف الضجيج. وكلما طال أمده، ازداد انكشافًا، وكلما تشبث أكثر، بدا أوهن وأقرب إلى السقوط.
لكن البوصلة لا تشير إلى نهاية طرف فحسب، بل إلى مسؤولية الجميع. فإذا جاءت لحظة التحول، فإن الامتحان لن يكون في كسب المعركة، بل في كسب السلام، وبناء دولة تتسع لكل اليمنيين، وتعيد للمؤسسات معناها، وللقانون هيبته، وللمواطن ثقته بأن المستقبل لا يُدار بالبندقية وحدها.
لذالك لا تكذب البوصلة.
قد يختلف الناس في تفسير الطريق، وقد يطيلون الوقوف عند المفترقات، لكن الإبرة لا تتوقف عن الإشارة إلى الاتجاه.
واليمن اليوم لا يبدو أنه يقف أمام منعطف عابر، بل أمام بوصلة بدأت تدور، ومشروع الحوثي نفسه بدأ يتآكل، ومن يفشل في قراءة اتجاهها قد يكتشف متأخرًا أن التاريخ مضى من دونه.