اخبار وتقارير

الإثنين - 13 يوليو 2026 - الساعة 01:28 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

عندما يوشك الغريق على الهلاك، لا يقف السباح الماهر على الشاطئ يحسب احتمالات النجاح والفشل، ولا يضيع الوقت في النقاش حول عمق الماء أو قوة التيار؛ بل يقفز فورًا لإنقاذه، لأن لحظة التردد قد تعني الموت. وكذلك الأوطان حين تختطفها المليشيات، لا يحررها انتظار الفرص المثالية ولا كثرة الحسابات، بل تصنع خلاصها الإرادة الجريئة التي تحسم القرار قبل أن يبتلعها الغرق. وصنعاء اليوم ليست استثناءً من هذه القاعدة.

فالتاريخ لا يصنعه الذين يراقبون المعارك من خلف النوافذ، ولا الذين يقيسون مصير الأوطان بحسابات الربح والخسارة. إنما يكتبه أولئك الذين يحملون أوطانهم على أكتافهم؛ أبناء القرى والبوادي، رجال القبائل، والبسطاء الذين لم تفسدهم المصالح، ولم تُقيدهم الحسابات. هؤلاء يدركون أن تحرير الإنسان يسبق كل مكسب، وأن إنقاذ المظلومين من السجون ليس مجرد واجب وطني، بل التزام أخلاقي لا يقبل التأجيل. ولذلك يمضون إلى المعركة وهم يعلمون أن طريقها قد ينتهي بالشهادة أو الجراح، لكنهم يؤمنون أن الذل الدائم أشد قسوة من الموت، وأن النصر لا يولد إلا من رحم التضحيات.

إن أولئك المرابطين اليوم في 'المطارح' والملبّين لداعي 'النكف'—والذين خاض معظمهم غمار الحروب والسياسة مع الحوثي—يدركون أكثر من غيرهم، بعد عقدٍ من النزوح والتشريد، أن البقاء في الفيافي والشتات عارٌ لا يمكن قبوله، بينما يعبث العدو بالديار، وينتهك الحرمات، ويستبيح الجوار."


يدرك اليوم من يتربع في المطرح ويلتحق بالنكف هذا الشي وأكثرهم خاضوا حروب مع الحوثي وفي السياسة.

كل احتلال يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على السلاح. فهو يعلم أن السنوات الطويلة لا تستهلك الذخيرة فقط، بل تستهلك الإرادة، وتُحوّل الاستثناء إلى عادة، والكارثة إلى واقع مألوف. وعندما يعتاد الناس وجود السجن، يصبح أخطر ما يواجههم ليس السجان، بل التصالح مع بقائه. ومن هنا، فإن استئصال شأفة جماعة الحوثي، وقطع دابر مشروعها الكهنوتي من رأسه، هو المطلب الذي لا يقبل المماطلة؛ اليوم قبل الغد.

هذه هي القاعدة التي حكمت كثيرًا من صراعات التاريخ. لم تسقط العواصم لأن خصومها كانوا أقوى دائمًا، بل لأن لحظة الحسم أُرجئت مرة بعد أخرى، حتى أصبح التأجيل عقيدة، والحذر فلسفة، والخوف يُقدَّم على أنه حكمة سياسية.

وصنعاء ليست مجرد مدينة خرجت عن سلطة الدولة، بل هي قلب الجمهورية الذي ما يزال يخفق تحت قبضة مشروع انقلابي سلالي. وكل يوم يمر خارج سلطة الدولة لا يعني فقط استمرار الانقلاب، بل يمنحه وقتًا إضافيًا لإعادة تشكيل المجتمع، وإنتاج أجيال تنشأ على واقع لم تختره، حتى يصبح الاستثناء تاريخًا جديدًا وفرض عين.

التاريخ لا يمنح الأمم فرصة مفتوحة. الفرص مثل المعادن؛ إن لم تُطرق وهي ساخنة، تصلبت حتى يصعب تشكيلها. ولهذا لم تبنِ الدول الكبرى مجدها بالانتظار، ولم تستعد الشعوب أوطانها عبر مفاوضات لا يساندها ميزان قوة. فالسياسة، كما علمتنا تجارب الأمم، لا تحترم الضعيف، بل تحترم من يملك القدرة على تغيير المعادلة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي قضية وطنية هو أن تتحول إلى ملف إداري، يُنقل من اجتماع إلى آخر، ومن مبادرة إلى أخرى، بينما يواصل الخصم ترسيخ وجوده على الأرض. فالدول لا تستعاد بالمذكرات، ولا تُبنى بالبيانات، ولا تُفرض السيادة بالأمنيات الساذجة. صنعاء اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من التفسيرات، ولا إلى إنتاج نظريات جديدة لتبرير التأخير والتقاعس. إنها بحاجة إلى قرار شجاع يؤمن بأن بقاء الانقلاب أخطر بمليون مرة من كلفة إنهائه، وأن الزمن ليس عنصرًا محايدًا، بل حليف لمن يحسن استثماره.

لقد كتب أحد فلاسفة التاريخ أن "الأمم لا تموت عندما تُهزم، بل عندما تفقد إرادة المقاومة." وهذه هي الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن اليمنيين اليوم. فالمعركة لم تعد مجرد معركة جغرافيا وأرض، بل معركة إرادة، وصراع وعي، واستعادة للثقة بأن الجمهورية ليست مجرد ذكرى عابرة، بل مشروع دولة حتمي وقادم لا محالة.

ولهذا، فإن الوطن لا يحتاج إلى من يجيد إدارة الانتظار، بل إلى رجال يدركون أن التاريخ لا يكافئ المتفرجين. فالأوطان تُستعاد عندما يصبح القرار أكبر من الخوف، وعندما تتحول الحرية من أمنية تُرددها الخطب إلى فعلٍ يصنعه الشجعان؛ أولئك الذين يؤمنون أن العواصم لا تعود بالدعاء والتمني وحدهما، وإنما بالإرادة التي تعرف متى تتقدم، وكيف تفرض على التاريخ أن يفتح صفحة جديدة من صفحات الكرامة والحرية.