صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
طكان الجميع ينظر إلى السماء، بينما كانت الحقيقة تُكتب على الأرض.
فالسماء لا تتكلم، لكنها تكشف من يملك القرار. أما المدرج، ذلك الشريط الهادئ الممتد في آخر المطار، فلا يبدو في أعين الناس سوى مكان تهبط عليه الطائرات. لكنه في الحقيقة آخر سطر تكتبه الدولة في دفتر سيادتها، وأول سطر يقرأه العالم عندما يريد أن يعرف: من يحكم هنا؟
لهذا لم تكن الحكاية طائرة إيرانية تبحث عن مكان للهبوط، بل كانت اختبارًا لحدود الإرادة اليمنية. وفي لحظات قليلة، تحولت رحلة جوية إلى معركة سياسية، وأصبح المدرج شاهدًا على صراع لا يدور حول الإسفلت، بل حول القرار.
صدرت البيانات، وارتفعت المواقف، ثم جاء الفعل على الأرض. أُغلق الطريق أمام الهبوط في صنعاء، فتبدل المسار إلى الحديدة. وهنا لم تعد القصة تتعلق بمدينة أو مطار، بل برسالة تقول إن اليمن لم يعد ساحة أحداث معزولة، بل أصبح عقدة تتقاطع عندها حسابات الداخل والخارج.
فالطائرات لا تغيّر مسارها عبثًا، والدول لا تخوض هذا النوع من المواجهات من أجل رحلة عابرة. كل حركة في السماء تحمل رسالة، وكل هبوط في مطار يروي فصلًا من الصراع على النفوذ والسيادة.
ولعل أكثر ما كشفه هذا الحدث أن معركة اليمن لم تعد تُقاس بعدد البنادق، بل بمن يفرض إرادته على البر والبحر والجو. فحين يصبح المدرج ميدانًا للمواجهة، ندرك أن القضية أكبر من طائرة، وأعمق من بيان، وأخطر من خبر عاجل.
سيختلف الناس في تفسير ما حدث، وسيقرأ كل طرف المشهد بعينه السياسية، لكن التاريخ لا ينشغل كثيرًا بالروايات المتنافسة. إنه يحتفظ بصورة واحدة فقط: من كان صاحب القرار عندما وصلت الطائرة إلى آخر أمتار الهبوط.
فالمدرج لا يجامل أحدًا.. لأنه المكان الذي تنكشف فيه هيبة الدول، قبل أن تلامس العجلات الأرض.