اخبار وتقارير

الأحد - 02 أغسطس 2026 - الساعة 02:49 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

لم تعد عمليات الاغتيال التي تستهدف القيادات العسكرية والقبلية والاجتماعية في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية مجرد أحداث أمنية منفصلة، بل باتت تمثل نمطاً خطيراً ينفذه الحوثيون بهدف إرباك المشهد وإثارة الانقسامات وضرب الثقة بين مكونات المجتمع. فحين يُستهدف قائد أو شيخ أو ضابط في وضح النهار عبر كمين محكم أو عبوة ناسفة، فإن الأعمال الإجرامية التي تنفذها الميليشيا ليست عشوائية، بل هي نتاج أجهزة استخباراتية متخصصة ومحترفة في إدارة الاغتيالات بالعبوات وتتبع الهدف بدقة عالية لإرسال رسائل ترهيب للبيئة الوطنية برمتها. إن حادثة اغتيال قائد اللواء الرابع في قوات درع الوطن والعمالقة الشيخ أسامة الردفاني اليوم في كمين مسلح بمنطقة العبر، وقبله حادثة اغتيال الشيخ أسامة الرفاعي بعد نجاته من محاولة سابقة استشهد فيها نجله، تعكس حجم الإصرار والتخطيط الذي تبديه الخلايا الحوثية المنفذة في تتبع أهدافها وإعادة دراسة التحركات ومواقع الجلوس وسير المركبات حتى تضمن نجاح العملية، وهذا يستدعي مراجعة جادة لمنظومة الحماية الأمنية ورفع مستوى التنسيق الاستخباراتي في كافة المناطق المحررة وعدم التعامل مع التهديدات والمتغيرات باعتبارها أحداثاً عادية.
قد يظن من يقرأ مقالي أني أسوق الاتهامات بلا دلائل، لكن تعالوا نعود قليلاً إلى الحروب الست وكيف تعمل جماعة الحوثي على جمع المعلومات عن المؤثرين والشخصيات الاجتماعية والقبلية والبارزة المناوئة لمشروعها؛ فهم يسجلون كل حادثة وكل غريم لهم ويدونونه في كشوفات خاصة، ولديهم أجهزة متخصصة تناقش كل صغيرة وكبيرة بروح استئصالية متواصلة هدفها في كل دقيقة كيف تخطط لتصفية عدوها الذي هو كل يمني حر يناهض مشروعها. فمنذ اندلاع الحروب الست في صعدة بين عامي 2004 و2010، برزت سلسلة من عمليات تصفية المشايخ والوجهاء القبليين الذين وقفوا في مواجهة مشروع الجماعة لخلع البنية القبلية المناوئة، ومن أبرز أولئك الوجهاء والمشايخ: الشيخ أحمد دهباش شيخ مشايخ منبه الذي اغتيل عام 2007، والشيخ حسن عيظة مطري، والشيخ علي مزراق الطلاني، والشيخ أحمد عبدالله فاضل من مشايخ حيدان، والشيخ طه عبدالله الصعدي أحد مشايخ ضحيان، والشيخ سالم درهم الحذيفي من مديرية مجز، والشيخ ضيف الله جارالله شيخ آل يوسف بني بحر، والشيخ محمد فرحان خطاب، والشيخ مسفر حسن أبوشتاء، والشيخ عبدالله عبدالله شميلة، والشيخ حمدان دغثم فوط، والشيخ شايع بختان، والشيخ معين عبدالله حامس العوجري، والشيخ صدام حسين جارالله، والشيخ صالح بن صالح هندي دغسان.
ولم تتوقف هذه السلسلة الإجرامية بعد انتهاء الحروب الست، بل تواصلت باستهداف شخصيات قبلية واجتماعية مثل الشيخ عبدالرحمن مرداس عام 2022، والشيخ عبدربه داجي الذي توفي تحت التعذيب، والشيخ مهدي بن صالح كباس الذي اغتيل بمديرية سحار عام 2025. وفي تقرير حقوقي حديث صدر عام 2026 عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وُثق ما يقارب 1937 انتهاكاً ارتكبته الجماعة بحق المشايخ والوجاهات الاجتماعية بين عامي 2016 و2026، شملت القتل والاختطاف والتصفية. ولم يقتصر هذا المخطط على صعدة، بل امتدت يد الغدر الاستخباراتية إلى عمق المحافظات المحررة في تعز وعدن ومأرب ولحج وشبوة، حيث طالت عمليات الاغتيال والتصفية رموزاً قوية وقادة كباراً كان لهم الثقل الأكبر في مواجهة المشروع الحوثي، وفي مقدمتهم القائد العسكري الكبير اللواء ثابت جواس، ومؤسس اللواء 35 مدرع العميد عدنان الحمادي، والشيخ أديب الشديدي، والدكتور محمد بن ربيش بن كعلان، إضافة إلى عشرات القادة والضباط والعلماء الذين تم استهدافهم بعبوات ناسفة وكمائن غادرة ومخططات تم زرعها بعناية لإضعاف الجبهات وتفكيك مراكز النفوذ الوطنية.
وليس خافياً أن عمليات الاغتيال الميدانية تصاحبها دائماً حرب إعلامية ونفسية تُدار عبر جيوش إلكترونية لتغذية الخلافات البينية وتهيئة الميدان قبل كل ضربة. فتارة تشن الميليشيا حملاتها لتأليب الشارع ضد الفريق طارق عفاش وحزب المؤتمر الشعبي العام، وتارة أخرى تروج لروايات زائفة تدعي أن السلفيين سحبوا البساط من تحت حزب الإصلاح ليزرعوا الضغائن والشكوك بين رفاق السلاح، تماماً كما فعلوا سابقاً في اقتحام دار الحديث بدماج واستهداف القادة من مختلف المكونات، إن الجماعة الحوثية لا تضرب فريستها إلا بعد أن تنهكها بالشائعات وتجعل حلفاء الأمس يتفرجون على تصفية بعضهم البعض.
إن المطلوب اليوم حيال هذه التحديات ليس تبادل الاتهامات ولا الانشغال بالمعارك الجانبية، بل بناء غرفة تنسيق أمنية وإعلامية مشتركة بين كافة القوى المناهضة للحوثيين—من المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح، والتيار السلفي، وكافة المكونات الوطنية—لتعزيز تبادل المعلومات، وتأمين الطرق الحيوية، وحماية القيادات الميدانية، ومحاسبة الاختراقات وفق القانون. إن وحدة الصف ليست شعاراً سياسياً، بل ضرورة وطنية وأمنية لحماية الأرواح والحفاظ على الاستقرار. فالتحديات التي تواجه اليمن أكبر من أن تُترك للخلافات الضيقة، وأمن المناطق المحررة يبدأ من يقظة مؤسساتها وتماسك مكوناتها للضرب بيد من حديد وإنهاء هذا السرطان الخبيث من أرض اليمن بالكامل.