صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
لكل شيء في الحياة منحنى. فالشمس لا تبقى في الغروب، والليل لا يملك أن يمنع الفجر من القدوم، والنهر إذا هبط إلى الوادي فلا بد أن يبدأ رحلة الصعود نحو البحر. هكذا هي السنن؛ هبوط يعقبه ارتفاع، وانكسار يولد منه نهوض.
كذالك في علم الرياضيات، لا يبقى المنحنى في اتجاه واحد إلى الأبد. فكل خط يهبط يصل يومًا إلى أدنى نقطة، ثم يبدأ رحلة الصعود. وهذه ليست معادلة رياضية فحسب، بل سنة من سنن الحياة. فلا شجرة تبقى منحنية بفعل الرياح إلى الأبد، ولا بحر يظل في حالة جزر دائم، ولا أمة كُتب عليها أن تعيش سقوطًا لا نهاية له.
واليمن، منذ سنوات، كانت تسير في منحنى هابط. بدأت رحلة الانحدار عندما غابت لغة الدولة، وحضر صوت السلاح، وانقسم المجتمع، وتقدمت المشاريع الصغيرة على حساب المشروع الوطني. ثم جاءت الحرب لتضاعف الألم، فخسر اليمنيون أعوامًا من أعمارهم، وخسروا التنمية والتعليم والاستقرار والاقتصاد، ودفع الجميع الثمن دون استثناء.
خلال تلك السنوات، بدا وكأن المنحنى لا يعرف إلا الهبوط. كل يوم كان يحمل معه أزمة جديدة، وكل عام كان يبدو أثقل من الذي قبله. مدن دمرتها الحرب، وأسر فرقتها الجبهات، وشباب ضاعت أعمارهم بين النزوح والبطالة، وأطفال ولدوا ولم يعرفوا من الوطن إلا أصوات المدافع وأخبار الأزمات.
لكن التاريخ يعلمنا أن السقوط لا يستمر إلى ما لا نهاية. فكل مشروع يقوم على القوة وحدها يصل في النهاية إلى لحظة يستهلك فيها نفسه، وكل أزمة تبلغ ذروتها ثم تبدأ بالتراجع. واليوم، إذا تأملنا المشهد اليمني بعيدًا عن العاطفة، نجد أن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن البلاد قد تكون أمام مرحلة مختلفة.
هناك وعي شعبي أكبر مما كان عليه في بداية الحرب. كثير من الناس أدركوا أن الشعارات وحدها لا تبني وطنًا، وأن الدولة، مهما كانت بحاجة إلى الإصلاح، تبقى الضامن الوحيد للاستقرار. كما أن السنوات الماضية كشفت للجميع حجم الكلفة التي يدفعها الشعب عندما تغيب المؤسسات وتحضر المليشيات.
وفي الوقت نفسه، تتواصل في المناطق المحررة محاولات بناء المؤسسات وتحسين الخدمات وتعزيز الأمن، وهي خطوات قد تبدو بطيئة، لكنها تمثل اتجاهًا مختلفًا عن سنوات الفوضى. فالصعود الحقيقي لا يبدأ بقفزة كبيرة، بل بخطوات ثابتة تتراكم حتى تصنع الفارق.
أما الحوثيون، فقد وجدوا أنفسهم أمام تحديات متزايدة بعد سنوات من رفض المبادرات والحلول السياسية. فاستمرار الصراع يحمل أعباءً متراكمة على مختلف المستويات، بينما يزداد إدراك اليمنيين بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبقى رهينة للحرب إلى الأبد.
ومع ذلك، فإن الصعود ليس قرارًا يعلنه أحد، ولا بيانًا يصدر من جهة، بل هو مسار يحتاج إلى صبر وعمل وإرادة. فكم من شعوب ظنت أنها وصلت إلى القمة ثم عادت إلى نقطة البداية لأنها كررت الأخطاء نفسها. وكم من أمم خرجت من الحروب أكثر قوة لأنها تعلمت من ماضيها ولم تسمح له أن يتكرر.
اليمن اليوم أمام فرصة تاريخية. فإذا أحسن اليمنيون قراءة الدرس، والتفوا حول مشروع الدولة، وقدموا مصلحة الوطن على المصالح الضيقة، فإن منحنى الصعود سيصبح حقيقة يراها الجميع، لا مجرد أمنية يتداولها الناس.
لقد تعب هذا الوطن كثيرًا، وتعب معه شعبه. ومن حق الأطفال أن يعيشوا في مدارس آمنة بدل الملاجئ، ومن حق الشباب أن يبحثوا عن مستقبلهم في الجامعات وسوق العمل بدل ساحات القتال، ومن حق الأمهات أن ينتظرن أبناءهن على أبواب البيوت لا في قوائم المفقودين والشهداء.
قد لا يكون الطريق قد انتهى، وما زالت أمام اليمن تحديات كبيرة، لكن الفرق بين الأمس واليوم أن الأمل أصبح أكثر حضورًا، وأن كثيرًا من المؤشرات توحي بأن منحنى السقوط لم يعد كما كان، وأن بداية الصعود أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل: هل نتعلم من سنوات الانحدار فنحافظ على طريق الصعود، أم نكرر الأخطاء فنعود إلى النقطة التي دفعنا جميعًا ثمنها؟
إن الأوطان لا يمنحها التاريخ فرصة جديدة في كل مرة، واليمن تستحق أن تكون هذه المرة بداية مرحلة مختلفة؛ مرحلة يُطوى فيها زمن الحرب، وتُستعاد فيها مؤسسات الدولة، ويعود الإنسان اليمني ليبني وطنه بيده، ويؤمن أن المنحنى الذي هبط طويلًا قد بدأ أخيرًا يرتفع نحو المستقبل.