صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
تتواصل قضية “ميرا صدام حسين” إلى مزيد من الحشد الشعبي والإعلامي في اليمن، وسط حالة جدل واسعة تحولت إلى ما يشبه مواجهة كلامية وسياسية بين يمنيين وجماعة الحوثي، وذلك عقب ظهورها في مقطع مصوّر بطريقة قبلية طالبت فيه اليمنيين بمناصرتها مما وصفته بـ”الظلم” الذي تعرضت له على يد الجماعة.
ومع تصاعد القضية وانتقالها إلى مستوى أكثر حدّة وتوتراً، برزت تطورات مرتبطة باسمها، خصوصاً بعد تداول حديث عن احتجازها مع الشيخ القبلي حمد بن راشد فدغم الحزمي، في ظل تباين الروايات حول خلفيات القضية وتفاصيلها.
وفي تطور لافت، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية سجالاً واسعاً بين يمنيين من مختلف الفئات، عقب إصدار جماعة الحوثي عبر ما تُسمى وزارة الداخلية بياناً اعتُبر هزيلاً من قبل منتقدين، تضمن إعلان نتائج فحوصات DNA قالت الجماعة إنها أثبتت أن “ميرا” يمنية وليست ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
وقالت جماعة الحوثي في بيان نشرته وزارة الداخلية التابعة لها في صنعاء، الأحد، إنها حسمت الجدل القائم بشأن المرأة المعروفة إعلامياً باسم “ميرا صدام حسين”، مؤكدة أن نتائج الفحوصات “بصورة قاطعة” أثبتت أنها مواطنة يمنية.
وجاء البيان عبر إعلامها الأمني التابع للجماعة، مرفقاً بصور لما قالت إنه تقارير فنية وفحوصات للحمض النووي ووثائق رسمية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة متأخرة لحسم قضية تحولت خلال الفترة الماضية إلى مادة جدلية واسعة على المستويين السياسي والإعلامي داخل اليمن وخارجه، وأثارت تفاعلاً كبيراً حول خلفياتها وأبعادها المتشابكة.
كما أكد البيان أن اسمها الحقيقي هو “سمية أحمد محمد عيسى الزبيري”، وأن بياناتها مثبتة في السجلات الرسمية للأحوال المدنية، مشيراً إلى أنها خضعت لفحص البصمة الوراثية (DNA) برفقة والديها وأحد أشقائها، وأن نتائج التحليل أثبتت “بصورة قاطعة” تطابقاً بنسبة 99.99%.
ونشر البيان تفاصيل شخصية موسعة عن المرأة وأسرتها وحياتها الخاصة، في خطوة أثارت انتقادات واسعة، خصوصاً بسبب تداول معلومات حساسة اعتُبرت محاولة للتأثير على صورتها الاجتماعية أمام الرأي العام، ومنها الإشارة إلى وضعها الأسري وتفاصيل حياتها الشخصية.
لكن خلف هذا الجدل الأمني والإعلامي، الذي رافق إعلان “حسم ملف الهوية”، تعود إلى الواجهة قصة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها روايات النسب مع النفوذ والصراع على الممتلكات.
ولسنوات طويلة، عاشت “ميرا صدام حسين” داخل دائرة محدودة من النفوذ والعلاقات في صنعاء، قبل أن تبدأ قصتها بالظهور تدريجياً بهوية ووثائق تحمل اسم “ميرا صدام حسين المجيد”، مقدمة نفسها باعتبارها ابنة غير معلنة للرئيس العراقي الراحل.
وبحسب روايتها، فإنها وصلت إلى اليمن عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، وأن الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وفر لها الحماية بهوية يمنية، ومنحها عقارات وممتلكات تقديراً لمكانتها وصلتها بصدام حسين.
وتشير إلى أنها عاشت لسنوات بهدوء، قبل أن تدخل في صراع مع شخصيات نافذة داخل سلطة الحوثيين عقب سيطرة الجماعة على صنعاء، ولاحقاً بعد مقتل صالح أواخر 2017.
في المقابل، تقول الرواية التي تتبناها سلطات الحوثيين إن المرأة استخدمت وثائق مزورة وانتحلت هوية للحصول على ممتلكات وامتيازات، مستفيدة من رمزية اسم صدام حسين لدى شريحة واسعة من اليمنيين والعرب.
وبدأت القضية تتحول إلى ملف علني قبل نحو أربع سنوات، عندما تقدمت – وفق روايات متداولة – إلى قسم شرطة في صنعاء للإبلاغ عن فقدان وثائق تحمل اسم “ميرا صدام حسين”، لكن البلاغ فتح باب التحقيق في هويتها، ليتحول الملف إلى قضية تزوير وانتحال شخصية.
وخلال التحقيقات، جرى توقيفها وإيداعها السجن المركزي في صنعاء لأشهر، قبل أن تصدر أحكام قضائية تابعة للجماعة بإدانتها في قضايا تزوير محررات رسمية شملت جواز سفر ووثائق أخرى.
لكنها من جانبها تؤكد أن ما جرى ليس قضية تزوير، بل عملية استيلاء وانتقام منظم على ممتلكاتها، وفق ما ورد في تسجيلات متداولة لها.
ومع تصاعد الجدل، بدأت “ميرا” بكشف أسماء شخصيات تتهمها بالوقوف خلف ما حدث، من بينهم فارس مناع، محافظ صعدة السابق وأحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالنفوذ والتجارة والسلاح داخل الجماعة.
وتقول إنها فقدت منزلها في حي حدة بصنعاء، إضافة إلى سيارات وأموال ومجوهرات ووثائق، فيما تشير مصادر أخرى إلى أن جوهر القضية مرتبط بصراع على النفوذ والممتلكات أكثر من كونه نزاعاً حول الهوية.
وبحسب متابعين، فإن المرأة كانت تقيم في المنزل محل النزاع منذ سنوات، قبل أن تتدخل شخصيات نافذة، ليتحول الملف تدريجياً إلى قضية أمنية وقضائية انتهت بمصادرة ممتلكاتها تحت غطاء نفي ادعائها.
وفي مايو 2026، عادت القضية إلى الواجهة مجدداً، بعد ظهور “ميرا” في مقطع مصور تناشد فيه قبائل اليمن التدخل لإنصافها، قبل أن تقوم بقصّ ضفائر شعرها أمام الكاميرا وتسليمها للشيخ القبلي حمد بن راشد فدغم الحزمي في محافظة الجوف.
وفي الأعراف القبلية، يُعد قصّ الشعر استغاثة وطلب حماية، وقد أعلن الشيخ الحزمي منحها الحماية القبلية، مؤكداً أن القضية بالنسبة له تتعلق برفع الظلم عن امرأة مستضعفة أكثر من ارتباطها بإثبات النسب.
ومن هذا المنطلق، لا ينشغل هذا التحقيق بإثبات أو نفي ادعاء النسب، بقدر ما يسلط الضوء على كيف طغى هذا الجدل على الأسئلة الأعمق المتعلقة بالنفوذ والممتلكات وطبيعة الصراع.
فمع لجوئها إلى القبيلة، تصاعد الجدل على منصات التواصل، وانشغل الرأي العام بسؤال النسب، بينما تراجعت الأسئلة الجوهرية المتعلقة ببنية الصراع.
وبحسب صحفيين وناشطين مقربين من الحوثيين، فإن فارس مناع أقر بأن المنزل محل النزاع لا يعود إليه، فيما تشير روايات أخرى إلى أنه يقيم فيه بتوجيه من قيادة الجماعة بعد مصادرة العقار.
ويشير مراقبون إلى أن القضية تحولت تدريجياً من نزاع على ممتلكات إلى معركة إثبات نسب، وسط تجاهل متزايد للوضع الإنساني للمرأة، التي تدهورت أوضاعها المعيشية بشكل كبير.
وفي المقابل، يؤكد ناشطون أن إنصافها لا ينبغي أن يرتبط بهويتها، معتبرين أن الجدل حول نسبها غطّى على ما تعرضت له من تشريد ومصادرة.
وتبرز مفارقة لافتة في هذا السياق، إذ تعتمد الجماعة على فحوصات DNA كحسم نهائي في هذه القضية، بينما تستند في مشروعها السياسي إلى فكرة “الحق السلالي” وادعاء الانتساب لآل البيت، وهو ما يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول ازدواجية المعايير.
ويشير متابعون إلى أن من يدفعون اليوم بقوة لإثبات هوية امرأة واحدة، لم يطرحوا ذات المعايير على زعيم الجماعة الذي يستند بدوره إلى نسب يُستخدم لتبرير الحكم والسيطرة.
والسؤال الذي ما زال مطروحاً: إذا كان ادعاء “ميرا” يتطلب فحص DNA، فماذا عن ادعاءات النسب التي تُبنى عليها السلطة نفسها؟
غير أن هذا الطرح لا يتعلق بإثبات نسب أو نفيه بقدر ما يكشف إشكالية استخدام معيار “النسب” في سياق سياسي وسلطوي، حيث إن الانتساب – حتى لو ثبت – لا يمنح حق السيطرة أو الحكم.
وفي تطور سياسي لافت، قال عضو المجلس السياسي الأعلى، سلطان السامعي، إن هناك من ضلل الجهات المعنية في قضية “ميرا”، مطالباً بالإفراج عن الشيخ حمد بن راشد فدغم الحزمي والمرأة، ومؤكداً أن ما جرى قائم على “تضليل وخداع”.
وأضاف السامعي أن ما حدث داخل أروقة القرار الحوثي في هذه القضية يعكس وجود أطراف قامت بتضليل القيادة، ما أدى إلى اتخاذ مواقف غير دقيقة، على حد وصفه.
وفسّر مراقبون تصريحات السامعي بأنها تأتي في لحظات حساسة، غالباً ما يظهر فيها لتخفيف حدة الأزمات الداخلية التي تواجهها الجماعة أو عند شعورها بضغط أو اختناق سياسي وإعلامي في قضايا مثيرة للجدل، في محاولة لاحتواء التداعيات وإعادة ضبط مسار الخطاب العام.
ويشغل السامعي منصب عضو المجلس السياسي الأعلى التابع لجماعة الحوثي، وهو أحد الأطر القيادية التي تشارك في إدارة القرار السياسي داخل مناطق سيطرة الجماعة.