اخبار وتقارير

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 12:59 ص بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان

إلى كل من انخدع بخطاب الجماعة وما زال يصدّق وعودها: هل تتذكرون سقوط الربوعة ونهوقة؟ سؤالٌ لمن صدقوا تلك الوعود، وقدّموا أبناءهم لمعركة قيل لهم إنها ستكون قصيرة، فإذا بها تمتد سنوات طويلة.

كما كان إعلام الحوثيين يكرر مصطلحات مثل:

"العمق السعودي"، "الحدود الجنوبية"، "جبهات ما وراء الحدود"، "الجيش السعودي"، "حرس الحدود السعودي".

وخلال سنوات المواجهات بين عامي 2015 و2021، كانت أسماء نجران وجازان وعسير تتصدر نشرات قناة المسيرة، ووكالة سبأ التابعة للحوثيين، والبيانات العسكرية اليومية، حتى أصبح المواطن اليمني يحفظ أسماء المواقع الحدودية أكثر من أسماء شوارع مدينته.

كانت القائمة طويلة:

نجران، الربوعة، ظهران الجنوب، الخوبة، الدود، جبل الدود، جبل الدخان، الطوال، الحرث، العارضة، الموسم، البقع، منفذ الخضراء، علب، السديس، نهوقة وغيرها من المواقع التي كانت حاضرة في كل نشرة، وكأنها على موعد مع تغيير التاريخ.

في تلك الفترة، كنت أذهب صباحًا وقت خروج الصحف إلى الجامعة، وكانت الصحف الحوثية هي الحاضرة في الأكشاك، مثل صحيفة الديار لعابد المهذري، والمسيرة، وأنصار الله، وهناك كنت أجد عددًا من المحللين الذين يقدمون قراءات عسكرية تجعل المستمع يظن أن خرائط المنطقة ستتغير قبل نهاية الأسبوع.

وفي جولة الجامعة الجديدة، وكذلك في كشك التحرير، كان المشهد يتكرر؛ محللون يتحدثون بثقة عالية عن أن الطيران أنهى المعركة، وأن الحدود أصبحت على موعد مع أحداث كبرى.

كان أحدهم يقول:

"شوفوا الطيران العطوان اليوم كيف كثف ضرباته.. أمس اللواء محمد الملصي وأفراده أحرقوا الربوعة، وبعد ثلاثة أيام ستسمعون سقوط نجران وجبل الدود ونهوقة".

وبحسب تلك التحليلات، لم يكن المواطن يحتاج سوى إلى تجهيز نفسه لمشاهدة "الانتصار التاريخي"، فالتحشيد كان في أعلى مستوياته، والأطقم تتحرك، والخطابات ترفع سقف التوقعات، حتى يخيل للناس أن الحسم أصبح مسألة أيام.

كانت الزوامل تصدح في كل مكان، وتُطبع وتُوزع بأشكال مختلفة، من القحوم إلى النبهاني والليث وغيرهم، فيما كانت التعبئة تدفع بالكثير من الشباب نحو الجبهات، وسط وعود متكررة بأن "النصر بات قريبًا".

وكان بعض المروجين لذلك الخطاب يسوقون الشباب إلى الجبهات تحت تأثير تلك الوعود، حتى أصبح كثير من الأسر تدفع ثمن معارك قيل لها إنها ستكون قصيرة، قبل أن تكتشف أن ما وُعدت به لم يكن سوى سراب إعلامي، وأن أبناءها كانوا ضحايا خطاب رفع الشعارات ولم يقدم لهم الحقيقة.

وكانت تلك التعبئة تقوم على صناعة صورة واحدة: أن المعركة على وشك النهاية، وأن العودة إلى ما قبل الحرب باتت مسألة وقت. لكن كثيرًا من الأسر اكتشفت لاحقًا أن الواقع كان مختلفًا، وأن أبناءها ذهبوا إلى جبهات طويلة تحت تأثير خطاب مليء بالوعود الكبيرة.

لكن الواقع كان يسير في اتجاه مختلف؛ فبينما كانت المنابر الإعلامية تتحدث عن انتصارات متتالية، كانت الجنائز تزداد، والمقابر تتوسع، والأسر تستقبل أخبار فقدان أبنائها، بانتظار ذلك "النصر الكبير" الذي كان يتكرر موعده ولا يصل.

ومنذ ذلك الوقت، تكررت الأساليب ذاتها؛ فكلما واجهت الجماعة أزمة داخلية أو غضبًا شعبيًا، عادت إلى تصعيد الخطاب الخارجي وصناعة معارك إعلامية جديدة، لإعادة توجيه الأنظار بعيدًا عن الأوضاع المعيشية المتدهورة التي يعيشها المواطنون.

مرت السنوات، وبقيت المدن التي قيل إنها ستسقط خلال أيام في مكانها، وبقيت الوعود تتغير من نشرة إلى أخرى، وكأن المشكلة لم تكن في المعارك، بل في طريقة رسمها على شاشات الإعلام.

فالأمس كان الحديث عن دخول نجران خلال أيام، واليوم تغيرت العناوين فقط، أما الأسلوب فما زال حاضرًا: صناعة معارك إعلامية، وتضخيم أحداث، وتقديم وعود كبرى، بينما يبقى المواطن يبحث عن راتبه وخدماته وأبسط حقوقه.

وخلال سنوات سيطرة الحوثيين، عاش اليمنيون واقعًا مختلفًا عن تلك الخطابات؛ اقتصاد يتدهور، ومدن تعاني من تراجع الخدمات، وأوضاع معيشية تزداد صعوبة، في ظل اتهامات للجماعة بممارسة انتهاكات واسعة، بينها قطع المرتبات، وتفجير دور العبادة والمنازل، واعتقال المعارضين، وقمع كل من يختلف معها، بحسب منتقديها وتقارير حقوقية.

يا يحيى سريع.. اليمنيون اليوم ليسوا كما كانوا بالأمس، واليمن ليست كما كانت في زمن الإمامة؛ فهذا جيل عاش الحرب، ورأى نتائجها، وأصبح يميز بين ما يسمعه في البيانات وما يراه في حياته اليومية. لم تعد الشعارات وحدها قادرة على صناعة قناعة شعب أنهكته سنوات الصراع.

واليوم تعيد جماعة الحوثي رسم المشهد بطريقة جديدة، عبر بيانات وتهديدات مرتبطة بإيران، في محاولة لإحياء الخطاب القديم نفسه، لكن المواطن اليمني الذي عاش سنوات الحرب أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الضجيج الإعلامي والواقع الحقيقي.

فالشعب الذي سمع سابقًا عن سقوط المدن خلال أيام، ثم انتظر طويلًا دون أن يرى تلك الوعود تتحقق، بات ينظر بعين مختلفة إلى الخطابات المتكررة، بعدما أصبحت الأولوية لديه ليست للمعارك الوهمية، بل للراتب، والخبز، والدواء، والكهرباء.

وتواجه جماعة الحوثي حالة متزايدة من الغضب الشعبي داخل مناطق سيطرتها نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، في وقت يرى فيه كثير من اليمنيين أن الشعارات العسكرية لم تعد قادرة على إخفاء حجم المعاناة اليومية.

وخلال السنوات الماضية، استخدمت جماعة الحوثي ملف المواجهة مع السعودية عنوانًا رئيسيًا في خطابها السياسي والإعلامي، واليوم تحاول إعادة إنتاج الخطاب نفسه عبر بيانات وتصعيد إعلامي جديد، وكأن المشهد يعيد نفسه من جديد؛ تغيير في العبارات، لكن المضمون واحد: تحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية وصناعة عدو خارجي لتبرير استمرار التعبئة والحشد.

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليمني اليوم: ماذا حققت كل تلك المعارك والشعارات؟ وماذا عاد على اليمنيين من سنوات الخطاب التصعيدي سوى مزيد من المعاناة والخسائر؟

فالنتيجة التي عاشها الناس كانت مزيدًا من التدهور الاقتصادي، وتضرر مؤسسات الدولة، واتساع دائرة الفقر، بينما بقي المواطن هو من يدفع فاتورة الصراع.

لقد عرف اليمنيون خلال سنوات الحرب الفرق بين الشعارات والواقع؛ فبينما كانت المنصات الإعلامية تتحدث عن انتصارات متواصلة، كانت الأسواق تشهد ارتفاعًا في الأسعار، وكانت الأسر تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية، وكانت الخدمات تتراجع عامًا بعد آخر.

كما أن الرسوم الجمركية والإيرادات المفروضة في ميناء الحديدة والمنافذ الخاضعة لسيطرة الحوثيين أصبحت، بحسب اقتصاديين ومراقبين، من العوامل التي ساهمت في زيادة تكاليف السلع وارتفاع الأعباء على المواطنين.

وبينما تتغير أسماء المعارك في نشرات الإعلام، تبقى المعركة الحقيقية التي يعيشها المواطن اليمني هي معركة الحياة اليومية: معركة الراتب، والخبز، والدواء، والكهرباء، ومستقبل الأبناء.

فقد سقطت الكثير من الوعود على الورق، لكن المواطن ما زال ينتظر انتصارًا واحدًا فقط… انتصارًا يراه في حياته، لا يسمعه في نشرات الأخبار.