كتابات وآراء


الخميس - 11 أبريل 2024 - الساعة 10:57 م

كُتب بواسطة : أ/ علوان الحيلاني - ارشيف الكاتب



في 30 ديسمبر سنة 2007م كناً معاً في مهرجان للأدب بمدينة زبيد، ولم تكن أيام المهرجان قد أبقت من الشاعر محمد عبدالباري الفتيح شيئاً، فقد توحدت روحه بالمكان، المساجد والأبواب، الدار الناصري، ومقبرة سهام، اللواوين وروائح التراب، طيبة الإنسان ومذاق التاريخ.
تجمعت أزمنة زبيد الفارهة كلها فيه ليصبح حالاً مجرد حال من الأحوال لا ينطق ولا يحاول أن ينطق، قسمات وجهه وحدها تُعبّر وإن بدا تعبيرها بعيداً على فهم من لم يمنحهم الله نعمة الذوق، ومعرفة أين يكون الرحيق، وبسبب ذلك عز الحديث معه على كثرة ما احتلنا له، ووفرة ما حايلنا عليه ليأخذ بطرف من أطرافه معنا؛ لكن ليلة الختام كانت ليلة الفتيح، وموعد تجليه البديع.
أقيم حفل الختام في الهواء الطلق شرق باب الشبارق، هناك تجمع جمهور يتجاوز الألف، وجلس الفتيح بيني وبين أخي مهدي المولّه به مثلي وزيادة، وتوالى الشعراء على المنصة، شعراء كثر اعتادوا على الإلقاء المنبري المجلجل حسب التقاليد الزبيدية، لكن هذا النوع من الإلقاء رغم كونه يليق بالشعر وبالشاعر لأنه يعطي الشعر حقه، ويسمح للشاعر بالتبختر والخيلاء كما يجب؛ إلا أنه خادع مراوغ يوقع قليلي الخبرة بالشعر في حبائله، ويوهدر بضعيفي الحساسية للجمال فيه..
وكان يبدو لنا أن معظم الشعراء قد تواطئوا على لفلفة المتلقين بالإلقاء محاولين به تغطية عيوب قصائدهم التي تتوزع على المعاني، والصور التقليدية المكرورة أو الأفكار الساذجة، وأحياناً كثيرة الهنات الواضحة في الأوزان، ولا أدري من الذي أفهمهم أن الاحتفاء بالإلقاء بديل مرضٍ عن الدأب والمثابرة، والقراءة والمثاقفة، والاهتمام المتواصل بإنجاز نصوص تنطبع عليها بصماتهم وشخصياتهم وخصوصياتهم.
أثناء متابعة الشعراء استطاع الفتيح أن يسرقنا أنا وأخي مهدي من النظر إليهم، فقد كانت انفعالاته وهو يتابع الشعراء مقياساً حقيقياً يمكن أن نرصد في حساسيته المذهلة مواضع الإنفلاتات الفنية المجنحة فيما يلقونه، كما يمكن أن نرصد ظلمات النصوص وتثاؤباتها، وارتكاساتها في وهدات التقليد والبؤس الفني.
كان الفتيح يكرّم أي انفلاتة فنية سكرى يُحلق بها المتوالون على المنبر بشهقة تسحبنا معها إلى مفاتن ذوقه، ومداراتها الساطعة في سماوات عالية، يُشعرنا بطعم آخر لجمال الشعر رغم أننا نعرفه ونتذوقه، ونمتلك من غنى التجربة معه ما يتيح لنا أن نُطوّل فيه الدعاوى ونعرّض؛ لكن شتّان بين طريقتنا في معرفة الشعر وتذوقه وبين طريقة الفتيح.
إنّ كل شهقة من شهقاته كتاب في حد ذاته في تذوق الشعر والإحساس بحلاوة مبناه وإدراك عميق معناه، والعكس يصدق على شعوره بالعيوب والخيبات والمزالق والارتكاسات البائسة، والعثرات الوزنية التي كان يخيل لنا أنها طعنات تنغرز في قلبه، وأنه يتلقاها كما يتلقى أبٌ خَبرَ رسوب فلذات كبده في المدرسة؛ لذلك كان يعبر عن وجعها بأنّةٍ حادة تجرح الحشا فيما هو يتقلقل في مكانه وطرفا عينيه تنتقلان بيني وبين أخي مهدي، وكأنه كان يُشهدنا على ما يسمعه من بوار.
قلة من الشعراء الكثر تلك الليلة قدموا زخم إجادة مبهج من خلال نصوص زَخْمَة (بالمعنى التهامي) جاوب زُخْمَها جمال الإلقاء، على رأسهم الشاعر العراقي الراحل علاء المعاضيدي ذي الوله الفائق بزبيد، وشاعر امزخم التهامي أحمد سليمان..
كان إبداع تلك القلة بمثابة السلوى لإحساس الفتيح المرهف تجاه التجليات الساحرة التي يمكن أن يخلقها شاعر موهوب ومثابر؛ على أن المفاجأة كانت تنتظر الفتيح في الفقرة الختامية حين قدّم الحفلُ فناناً زبيدياً شاباً يعشق الفنان الكبير أيوب طارش، ويقدم أغانيه بإحساس يورّط سامعه في عملية مقارنة فورية بينه وبين الفنان الكبير.
تجلى الفنان الشاب وتأرّجَتْ لحظاته في تلك الأمسية، وتفاعل الجمهور المشتعل مع (أحبك والدموع تشهد) و(هيمان) و(مكانني ظمآن)، وتجلى معه الفتيح شهيقاً والتماعات وزفرات تحترق لها القلوب.
وحين بلغ الفنان الشاب الذروة في رائعة (طائر امغرب) طار صواب الفتيح، ولم تعد الشهقات لتعبر عن مقياسه الجمالي، فقد تجاوز به الحال من مقام الشهقات إلى مقام أعلى، انخرط في البكاء وهو يعلن بصوت عالٍ هذا أعظم تكريم لأيوب، بل أعظم احتفاء بحضوري إلى زبيد، ولا سبيل إلى وصف كيف حلّ فينا حاله، ولا ما فعل بنا أنا وأخي مهدي ومعنا الشاعر أحمد سليمان الذي انضم إلينا أثناء الفقرة الفنية، فلم نعرف كيف نعبر عن تماهينا مع الاحتشاد الوجداني الذي أشعلنا به إلا بسيل من القبل أمطرنا بها جبينه النوراني النبيل.
#من كتابة عن الشاعر محمد الباري الفتيح
# كتابي (ملامتية)

المقال منقول من صفحة الكاتب بالفيس بوك