اخبار وتقارير

الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 06:18 م بتوقيت اليمن ،،،

صدى الساحل -بقلم - أحمد حوذان

كان اليمني قبل الوحدة يشبه جباله؛ صلبًا، متعبًا، ومكسور القلب في الوقت ذاته. يمشي نصفه في الشمال ونصفه الآخر في الجنوب، بينما الوطن كله موزع بين الخوف والحواجز والخرائط والأسلاك والأسئلة الثقيلة. كان المواطن اليمني يحمل اسمه ولهجته وقبيلته وذاكرته، لكنه لا يحمل وطنًا مكتملًا. في صنعاء كان الناس يخرجون من قرون الإمامة مثقلين بالجوع والعزلة والكهنوت، وفي عدن كان العمال والبحارة والحالمون يحملون بقايا وطن خرج تواً من معارك الاستعمار والصراعات الأيديولوجية والدم.

لنتحدث عن واقع يعرفة الكبار الذين عاشوة وتعلمنا منهم التاريخ النضالي

كانت اليمن قبل الوحدة حكاية شعب أنهكته الحروب والانقسامات، لكنه لم يفقد حلمه الكبير. من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، حين خرج اليمنيون من تحت عباءة الإمامة إلى فضاء الجمهورية، إلى الرابع عشر من أكتوبر في الجنوب، حين اشتعلت البنادق في وجه المستعمر البريطاني، كان اليمنيون يكتبون تاريخهم بالدم والبارود والكرامة.

لم تكن الجمهورية نزهة، ولم يكن الاستقلال احتفالًا عابرًا. كانت القرى تُحرق، والرجال يُقتلون، والأمهات يخبئن أبناءهن من الرصاص والجوع، لكن اليمنيين ظلوا يقاتلون لأنهم أدركوا مبكرًا أن الكهنوت والاستعمار وجهان لعتمة واحدة.

في جبال الشمال، وقف الجمهوريون حفاة أمام مشروع الإمامة، ومعهم رجال القبائل الذين رفضوا أن يعود اليمن إلى زمن السلالة والحق الإلهي. وفي الجنوب، كانت عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة وحضرموت تشتعل بثوار يعرفون أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.

ثم جاء الزمن الذي تعب فيه اليمنيون من الانقسام لان يرتاحوا ويتنفس الجميع الصعداء

سنوات طويلة من الشطرية والشكوك والحروب الصغيرة والنزاعات السياسية أرهقت الناس والثارات القبلية، حتى صار حلم الوحدة يشبه الحلم المقدس الذي ينتظره الجميع.

وحين اقترب الثاني والعشرون من مايو 1990، لم يكن ذلك مجرد توقيع سياسي بين قيادتين؛ بل كان انفجارًا عاطفيًا لوطن كامل. تسابق اليمنيون إلى الشوارع كما لو أنهم يلتقون بعد فراق عمره قرون. ارتفعت الأعلام، وبكى الرجال، وزغردت النساء، وغنت المدن والقرى لليمن الواحد.

وصل الزعماء العرب إلى صنعاء وعدن يراقبون ميلاد الوحدة اليمنية بدهشة. في زمن كانت فيه مشاريع الوحدة العربية تتساقط، استطاع اليمنيون أن يحققوا ما عجز عنه الآخرون؛ أن يصنعوا وطنًا واحدًا من قلب الانقسام.

وكان خلف هذا الحلم رجال يشبهون الأساطير الوطنية؛ رجال دولة وميدان، اجتمعوا على فكرة واحدة: أن اليمن لا يبقى ممزقًا.

ومن أبرز القامات الوطنية التي ارتبطت بتلك المرحلة: علي سالم البيض، وعلي ناصر محمد، وعلي عبدالله صالح، وعبدربه منصور هادي، إلى جانب شخصيات عسكرية وسياسية وقبلية من شمال الوطن وجنوبه، اجتمعوا – رغم اختلافاتهم – على لحظة تاريخية صنعت التحول الأكبر في مسار اليمن الحديث.

وبعد الوحدة بدأت البلاد تتغير بسرعة تشبه المعجزات. امتدت الطرقات بين المحافظات، وشُقت الجبال، وارتفعت الجسور، وافتُتحت الجامعات والمستشفيات والمطارات والموانئ. بدأ اليمني يشعر للمرة الأولى أنه يعيش داخل دولة لها علم واحد وجيش واحد وجواز واحد وحلم واحد.

تحركت عجلة التنمية بعزائم الرجال. من صعدة حتى المهرة، ومن عدن حتى مأرب، كانت مشاريع البناء تصل إلى أماكن لم تعرف الدولة من قبل. كان اليمن ينهض ببطء، لكنه كان ينهض فعلًا.

لكن.....

غير أن السلالة كانت تراقب كل ذلك بحقد دفين. كانت ترى في الجمهورية إهانة لمشروعها الكهنوتي، وترى في الديمقراطية خطرًا يهدد فكرة الاصطفاء السلالي التي عاشت عليها قرونًا.

تعالو أحدثكم عن احقاد السلالة والكهنوت على الجمهورية

لم تستطع السلالة أن تتقبل يمنًا يحكمه صندوق الاقتراع بدل “الحق الإلهي”. لذلك بدأت العمل بصبر الأفاعي؛ زرعت الخلافات، واخترقت المؤسسات، ووصلت إلى مفاصل الإعلام والقضاء والأمن والمالية، وبدأت بتصفية الكفاءات والكوادر الوطنية باغتيالات غامضة وممنهجة.

وحين عجزت عن إسقاط الجمهورية سياسيًا، لجأت إلى الحرب. فبدأت من صعدة عبر ما سُمي بـ“الشباب المؤمن”، ثم فجرت حروبًا مدمرة أنهكت الدولة وأثقلت كاهل الوطن.

ثم بدأت العواصف تتجمع ببطء. خلافات سياسية، أزمات اقتصادية، صراعات داخل مؤسسات الدولة، ومحاولات لإعادة رسم موازين القوة. ومع مرور الوقت، تآكلت بعض مسارات الاستقرار، ودخلت البلاد في سلسلة أزمات متلاحقة مهدت لمرحلة أكثر تعقيدًا.

ومع أحداث 2011 وما تبعها من تغييرات سياسية كبرى، دخل اليمن مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث ضعفت مؤسسات الدولة، وتفككت السيطرة في أكثر من اتجاه، وازدادت حالة الانقسام السياسي والأمني.

ثم جاءت لحظة الانقلاب الكبرى في 2014، حين اجتاحت المليشيا الحوثية العاصمة صنعاء وأسقطت مؤسسات الدولة، وأعادت اليمن إلى زمن الخوف والكهنوت والسجون والمشانق والشعارات السلالية.

ومنذ ذلك اليوم، واليمنيون يعيشون واقعًا مختلفًا تمامًا. بين عواصم ممزقة وطرق مقطوعة، بين مناطق شرعية ومناطق خاضعة لسلطة الأمر الواقع، بين رحلة شاقة للوصول إلى أي مدينة، وحياة محكومة بقيود ثقيلة؛ إغلاقات، واعتقالات، وإتاوات، وتضييق على الحركة والرزق، وتحويل حياة الناس اليومية إلى مساحة من الضغط والخوف.

ومع ذلك، بقيت الجمهورية فكرة لم تُهزم. وبقي اليمني، رغم كل شيء، واقفًا في قلب العاصفة، يحاول أن يتنفس وطنًا لا يُختطف.

واليوم، في العيد السادس والثلاثين للوحدة اليمنية، لا يحتفل اليمنيون بذكرى سياسية وخلاص ، اليوم اليمنيون يستعيدون معنى وطن حاول الكهنوت دفنه فعاد حيًا في قلوب الناس.

ستة وثلاثون عامًا وما يزال اليمنيون يقاتلون المعركة ذاتها: معركة الإنسان ضد السلالة، والجمهورية ضد الكهنوت، والوطن ضد مشروع الظلام.

وكلما ظنت المليشيا أنها انتصرت بالسلاح، خرج جيل جديد يحمل ذات الحلم القديم: أن يبقى اليمن جمهورية واحدة، لا سلالة فوقها، ولا كهنوت يحكمها