صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب
هناك مسافة شاسعة بين من يحمل فكرة وطن، ومن لا يجد أمامه سوى الصاروخ، وبين من يعمل لاستعادة الحياة من بين الركام، ومن يترك خلفه في كل مكان أثراً من الخوف والدمار.
ميناء المخا كان شاهداً على هذه المسافة.
وصلت إليه الصواريخ، فأصابت منشأة مدنية، وألحقت أضراراً بمرفق يمثل شرياناً مهماً للحياة والحركة في الساحل الغربي. لكن قيمة المخا لا تختصر في رصيف أو مبنى؛ فالميناء جزء من صورة اليمن الذي يريد أن يعود إلى الحياة، بعد سنوات طويلة أثقلت الناس بالحرب والفقر والخوف.
الضربة إذن تكشف طبيعة مختلفة من المعركة؛ معركة لا تبحث عن تغيير موازين الميدان بقدر ما تسعى إلى إلحاق أكبر قدر من الضرر بالناس ومصالحهم، وإبقاء اليمن في دائرة الاضطراب.
وهنا تأتي المفارقة التي تستحق التوقف.
ميناء المخا تلقّى الضربة والحوثي تلقّى الصفعة.
فالضربة وصلت إلى الرصيف، لكنها لم تصل إلى المعنى الذي أراد الحوثي أن يصنعه حولها.
قوات الساحل الغربي الابطال كانت في موقعها، تؤدي مهمتها، وتحمي الأرض والمنشآت والممرات الحيوية. رجال يعرفون طبيعة المكان، ويعرفون أن حماية الساحل ليست مهمة عابرة، وإنما مسؤولية ترتبط بأمن اليمن ومستقبله.
وهنا تظهر قيمة هذه القوات.
لا تحتاج قوات الساحل إلى المبالغة في وصف ما تقوم به، ولا إلى البحث عن انتصارات إعلامية. يكفي أنها تقف في واحدة من أكثر المناطق حساسية، وتتعامل مع الخطر كلما جاء، وتحافظ على تماسكها في وجه حرب تعتمد على الاستنزاف وإرهاب المدنيين وضرب البنية التحتية.
الحوثي لا يخوض معركته مع الحجر وحده؛ إنه يضرب ما يستطيع الوصول إليه، ويبحث عن إرباك الحياة، وإرهاق الناس، وتعطيل الطرق والموانئ والمنشآت، لأن الفوضى بالنسبة إليه ليست نتيجة جانبية للحرب، بل بيئة يستفيد منها في استمرار نفوذه.
ولهذا فإن ميناء المخا يحمل دلالة أكبر من حدود المكان.
حين يُستهدف الميناء، تُستهدف حركة الحياة.
وحين تُضرب المنشآت، يدفع المواطن الثمن.
وحين تتحول المرافق الحيوية إلى أهداف للصواريخ، يصبح واضحاً أن المعركة ليست بين جبهتين عسكريتين فحسب، وإنما بين طريقين: طريق يريد لليمن أن يستعيد مؤسساته وحياته، وطريق لا يرى في القوة إلا وسيلة لإدامة السيطرة والخوف.
وفي هذه المعادلة، يقف الساحل في الواجهة.
الساحل الغربي بوابة بحرية، وموقع اقتصادي وعسكري، وامتداد جغرافي يحمل أهمية كبيرة لليمن. ولذلك فإن وجود قوات قادرة على حماية هذه المساحة ليس تفصيلاً عسكرياً صغيراً، بل عنصر أساسي في معركة استعادة الدولة.
رجال الساحل يعرفون أن حماية المخا لا تعني حماية موقع واحد، وإنما حماية مساحة مفتوحة على البحر، وحماية طرق ومرافق وسكان، والحفاظ على نافذة يمكن أن يعود منها اليمن إلى حركة الحياة الطبيعية.
ولهذا فإن استهداف المخا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبراً عسكرياً فقط.
إنه تذكير جديد بأن الحوثي ما زال يرى في كل مساحة حياة فرصة لإطلاق النار عليها.
لكن هناك حقيقة أخرى ظهرت في المشهد.
كلما اتسعت دائرة الاستهداف، اتسعت معها دائرة الوعي.
فالضربة التي وصلت إلى المخا لا تتوقف آثارها عند حدود الساحل؛ صداها يصل إلى تعز والضالع وعدن والبيضاء، ويمتد إلى صعدة وحجة، لأن اليمنيين في مختلف الجبهات باتوا يدركون أن الخطر واحد، وأن الصاروخ الذي يستهدف منشأة في الساحل لا يحمل عنواناً جغرافياً حين يتعلق الأمر بمستقبل البلاد.
وهنا تصبح وحدة الجبهات ضرورة. فلا يمكن أن تبقى كل جبهة تنظر إلى ما يحدث بجوارها باعتباره شأناً بعيداً، بينما الحوثي يتحرك بعقلية واحدة وعلى مساحة وطن كامل.
لذالك المعركة تحتاج إلى رؤية أوسع من حدود الجبهة، وإلى موقف يتعامل مع اليمن كجغرافيا واحدة ومصير واحد.
ومن هنا تأتي أهمية الساحل مرة أخرى. فالقوة التي تقف هناك لا تحمي المخا وحدها؛ إنها تحمي جزءاً من معادلة وطنية أكبر،وتدافع عن اليمن والعالم اجمع، وتثبت أن الأرض التي يحاول الحوثي إرهابها ليست بلا رجال، وأن المنشآت التي يستهدفها ليست بلا من يدافع عنها.
أما الحوثي، فمهما حاول أن يقدم صور الدخان والركام باعتبارها مشاهد قوة، فإن الصواريخ لا تصنع مشروع ، والدمار لا يصنع مستقبل، وإرهاب الناس لا يمنح صاحبه شرعية.
الحوثي يستطيع أن يضرب ما على الأرض، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده شكل اليمن الذي سيولد من هذه الحرب.
لهذا يجب أن تتحول كل ضربة إلى وعي، وكل اعتداء إلى دافع لتوحيد الصف، وكل استهداف إلى تذكير بأن المعركة أكبر من منطقة وأكبر من جبهة.
ميناء المخا تلقّى الضربة لكن الحوثي تلقّى الصفعة.
صفعة لم تأتِ من صاروخ آخر، وإنما من حقيقة أكثر إيلاماً له: أن كل اعتداء على اليمنيين يكشف وجه مشروعه أكثر، وأن كل منشأة يستهدفها تعيد الناس إلى السؤال الأكبر عن الدولة التي يريدون استعادتها.
المخا جُرحٌ يمكن أن يلتئم.
أما اليمن، فلا ينبغي أن يبقى جرحاً مفتوحاً. وهنا تقع مسؤولية الجميع؛ أن تتحول الجبهات من مواقع متفرقة إلى موقف وطني متماسك، وأن يتحول الغضب إلى قرار، وأن يعرف اليمنيون أن طريق الخلاص يبدأ من قدرتنا على إنهاء زمن الصواريخ التي تُفرض علينا.
واكرر كلامي أن ميناء المخا تلقى الضربة والساحل بقي واقفاً والحوثي ترك وراءه صفعة سياسية ووطنية أكبر من الرصيف الذي استهدفه.