صدى الساحل - بقلم - أحمد حوذان
عندما يلجأ شخص يفترض أنه شيخ قبلي إلى استخدام الألفاظ النابية والشتائم مثل وصف امرأة بالكلبة ولعنها وتمني موتها في السجن فهذا يعد سقوطا مدويا للسلف والعرف القبلي اليمني.
إن ما شاهدناه واستمعنا إليه من الشيخ فارس الحباري عبر شاشة قناة الهوية التابعة للحوثيين وهو يوزع الشتائم والتهديدات يمينا وشمالا يمثل انحدارا غير مسبوق في منطق الوجاهة الاجتماعية وتحولا علنيا من ضفاف المشيخة المفترضة إلى وعاء البلطجة السياسية والأمنية الفجة.
حين يطل شخص يفترض أنه يعتلي رأس الهرم القبلي ليوجه ألفاظا نابية وشتائم سوقية ضد امرأة مسكينة تقبع خلف القضبان واصفا إياها بالكلبة ومتمنيا لها الموت داخل محبسها فنحن هنا لا نتحدث عن عرف أو سلف بل عن عيب أسود وسواد وجه بكل ما تحمله الكلمة من دلالة في وجدان القبائل اليمنية فالقبيلة في تاريخ اليمن لم تكن يوما سوطا بيد السجان بل كانت دائما حصنا منيعا للمستضعفين وللنساء تحديدا والتفاخر بقهر امرأة أسيرة لا تملك حريتها هو السقوط الأخلاقي الكامل الذي يثبت أن عقلية العصابة قد ابتلعت شيم الرجال.
يتجلى التناقض المفضوح في هذا الخطاب حين يتباكى الحباري في ذات اللقاء مدعيا الحمية الأبوية بقوله إنها بنتنا وبنت أرحب ثم ينقلب في نفس اللحظة متوعدا بإقبارها في السجن مرددا يا حبس لوما ذاك الموت أي انفصام هذا وأي قبيلة هذه التي ترى في إهانة ابنتها وتشجيع سجنها دليلا على النخوة والشهامة
إن هذا الادعاء الكاذب بالأبوة ليس إلا غطاء زائفا لشرعنة الانتهاكات وحماية مصالح السجان الحوثي الذي يمثله فارس مناع كرجل مال وداعم أساسي له.
ظهور فارس الحباري على قناة الهوية لم يكن مجرد تعليق على قضية ميرا صدام بل محاولة واضحة لتحويل مسار القضية من كونها قضية امرأة محتجزة لدى جماعة الحوثي إلى قضية صراع قبلي فبدلا من الحديث عن حقها القانوني والإنساني انشغل بإطلاق التهديدات متحديا كل من يسعى للإفراج عنها بل وذهب إلى القول إن علاجها هو الحبس أو الموت وهو خطاب لا يمت بصلة لقيم القبيلة ولا للقانون ولا للأخلاق.
الأخطر في حديث الحباري أنه سعى إلى الزج باسم قبيلة أرحب في القضية وكأنها نزاع قبلي بينما المسؤول الأول والأخير عن احتجاز ميرا صدام هي جماعة الحوثي التي تحتجزها في سجونها وإذا كانت الجماعة تزعم أن القضية أصبحت بيد أرحب فهي بذلك تحاول التنصل من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن احتجاز امرأة خلف القضبان.
إن المحاولة الخبيثة لتدوير الصراع وتحويله إلى مواجهة قبلية بين أرحب الداخل وأرحب الخارج في صفوف الشرعية ومأرب ما هي إلا خطة مكشوفة لنقل المعركة من مربعها الحقيقي الهدف هو تشتيت السخط الشعبي المتصاعد ضد الحوثيين وفارس الحباري وصناعة فتنة بين القبائل لإشعال مواجهة مباشرة مع المطرح وأبناء القبيلة الذين يقفون بصف الشيخ فدغم هذا الخطاب التحريضي المليء بلغة التهديد بالتصفيات والاغتيالات والوعيد بدق الأقفاف وفركها يمهد الطريق لجواسيس الجماعة وخلاياها الأمنية لتنفيذ تصفيات جسدية تحت لافتة زائفة يدعون فيها الدفاع عن القبيلة.
هذا الاستنفار الصارخ وهذا الظهور المحموم على المنصات الإعلامية الحوثية يتزامن تماما مع معلومات مؤكدة تفيد بقيام الجماعة بضخ أموال طائلة وإعادة صرف المخصصات المالية لشراء ولاءات وتكميم أفواه بعض المشايخ في صنعاء وحجة وعمران إنهم يدركون جيدا أن التعدي على النساء وكسر الأعراف يمثل خطا أحمر يزلزل الأرض تحت أقدامهم لذا يسارعون إلى استخدام سلاح المال السياسي لإسناد أدواتهم كالحباري واستخدامهم كأبواق لترهيب كل من يطالب بالعدالة.
إن لغة التحدي السافرة التي أطلقها الحباري متوعدا كل من يسعى للإفراج عن ميرا صدام ليست دليل قوة بل هي انعكاس لمأزق أخلاقي وسياسي خانق يعصف بالجماعة وأدواتها القضية في جوهرها واضحة لا لبس فيها امرأة مظلومة محتجزة خلف القضبان بلا مشروعية قانونية أو عرفية وكل محاولة للهروب نحو معارك جانبية أو تحريض القبائل ضد بعضها لن تغسل عار السجان.
إن المسؤول عن ميرا صدام ليس أرحب ولا فدغم ولا أي قبيلة المسؤول هو الجهة التي تحتجزها وتحرمها من حريتها وكل محاولة لتحويل الأنظار نحو صراع قبلي لا تغير هذه الحقيقة القضية في جوهرها ليست قضية قبيلة بل قضية امرأة محتجزة وكلما ابتعد الحديث عن هذه الحقيقة واقترب من خطاب التحريض والتهديد ازدادت الصورة وضوحا بأن هناك من يحاول الهروب من أصل القضية إلى معارك جانبية.
لقد كانت القبيلة اليمنية عبر تاريخها ملاذا للمظلوم لا غطاء للسجان وستبقى كرامة المرأة معيارا تقاس به أخلاق الرجال لا قدرتهم على التهديد وهي خلف القضبان.
ستبقى أرحب العريقة وأبناؤها الأحرار بريئين من هذا المنطق الدخيل وستظل كرامة المرأة اليمنية هي المقياس الحقيقي لأخلاق الرجال لا استعراض القوة فوق أجساد المحتجزين.